لطالما قيل إن الأحلام هي بداية الإنجازات، لكن يبدو أن بعضها يظل حبيس شاشة التلفاز، ففي اليابان، لم يكن الحلم مجرد كأس عالم أو إنجاز تاريخي، بل كان نسخة مطابقة تقريباً لما عاشه الملايين سواء في اليابان أو منطقتنا العربية في مسلسل الكابتن ماجد، أو «كابتن تسوباسا» كما يعرفه اليابانيون، ذلك البطل الذي كبر وهو يحلم بقيادة منتخب بلاده إلى كأس العالم، ثم إسقاط البرازيل نفسها في الطريق إلى المجد.
وفي هذه النسخة ومع اتساع البطولة إلى 48 منتخباً، اعتقد كثيرون أن السيناريو الكرتوني قد وجد أخيراً فرصته الذهبية ليخرج من صفحات الرسوم المتحركة إلى أرض الواقع، تأهلت اليابان إلى الدور الثاني، واصطدمت بالبرازيل، وهنا انتظر الجميع الحلقة الأخيرة، لكن يبدو أن المخرج الحقيقي لكرة القدم لا يعترف بالنهايات السعيدة الجاهزة، فانتصرت البرازيل، وسقط الحلم، وبقي «الكابتن ماجد» بطلاً على الشاشة فقط، بينما عاد المنتخب الياباني إلى طوكيو ومعه رسالة مفادها أن كتابة السيناريو أسهل كثيراً من مواجهة البرازيل.
وفي زاوية أخرى من البطولة، كانت المنتخب الألماني يكتب مسلسلاً مختلفاً، لكنه أقل إمتاعاً لجماهيره. فمنذ التتويج بكأس العالم عام 2014، والألمان يبحثون عن أنفسهم في المونديال، فاكتفوا بوداعين متتاليين من دور المجموعات، وعندما جاءت النسخة الجديدة بثمانية وأربعين منتخباً، ظن البعض أن توسيع البطولة قد يكون بمثابة «باب نجاة» للألمان، وبالفعل عبروا إلى الدور الثاني، لكنهم لم يذهبوا أبعد من ذلك، بعدما أوقفهم منتخب باراغواي العنيد بركلات الترجيح.
ويبدو أن بعض المنتخبات لم تجد بعد علاجاً للمشكلات الفنية، بل اعتمد على توسيع قاعدة المشاركة في البطولة سيمنحها الفرصة لمقابلة فرق تظن أن لها الأفضلية بالتفوق عليها، لكنها كانت كما الطالب الذي ينجح بالدور الثاني ويريد أن يتحول فجأة إلى الأول على الصف، وإن توسيع المشاركة في كأس العالم لا يعيد الهيبة تلقائياً لمن فقدها.
هذه النسخة من المونديال أثبتت أن الأحلام لا تتحقق بمجرد تكرارها، وأن التاريخ لا يمنح أحداً خصماً من الماضي، ولا يعترف بمن يراهن على الأمجاد القديمة أو السيناريوهات الكرتونية، ففي النهاية، كرة القدم لا تقرأ القصص المصورة ولا الميداليات المعلقة، بل تكتب قصصها بنفسها، وغالباً بنهاية لا يتوقعها أحد.
بنلتي
في النهاية، لا الكابتن ماجد هزم البرازيل، ولا توسيع البطولة أعاد ألمانيا إلى أمجادها...الدرس بسيط: الأحلام جميلة، لكن الملعب لا يعترف إلا بمن يعمل لها، أما البقية، فيكتفون بإعادة الحلقات القديمة.