أصبحت التحولات الجيوسياسية اليوم محوراً أساسياً في صياغة السياسات الداخلية والخارجية للدول، ويتماشى هذا التوجه إلى حد كبير مع مبادئ الواقعية السياسية، حيث تسعى الدول إلى البقاء في نظام دولي فوضوي من خلال تعظيم قوتها وثرواتها مع تقليل خسائرها؛ وقد ساهمت التغيرات البيئية والاقتصادية والتكنولوجيا المتسارعة، فضلاً عن حالة عدم اليقين والديناميكيات المتضاربة في السياسة الدولية، في إعادة إحياء الاهتمام بالتحليل الجيوسياسي لدى صناع القرار والأكاديميين والاستراتيجيين، لفهم طبيعة التحولات الجديدة وآثارها على الأمن والسلم العالميين.

وفي هذا السياق، أفرزت لنا السيولة الجيوسياسية تحولات عميقة في بنية النظام الدولي؛ انطلاقاً من بروز قوى صاعدة مثل الصين والهند والعودة القوية لروسيا إلى الساحة الدولية، مقابل تراجع الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة الأميركية بسبب المنافسة المتزايدة بين هذه القوى، خصوصاً في مجالات الاقتصاد والتكنولوجية والطاقة والأمن، مما أدى إلى إعادة تشكيل موازين القوى الدولية وبناء تحالفات وخلق دينامكيات دولية جديدة في العلاقات الدولية؛ وهو ما يظهر بشكل جلي في تنامي الشراكة الصينية - الروسية، وبروز القطب الجيوسياسي الأوراسي والحرب الروسية - الأوكرانية، التي أعادت رسم التوازنات الجيوسياسية العالمية.

وأدت السيولة الجيوسياسية إلى تآكل التعددية الدولية وصعود التيارات القومية والشعبوية والأصولية، مما أدى إلى إضعاف الأنظمة الدولية ومؤسسات الحوكمة العالمية في مواجهة التحديات التي تعرفها الحياة الدولية، مثل التغير المناخي وانتشار الأسلحة والأوبئة والفقر والتضخم.

Ad

كما تشهد السياسة العالمية تحولاً جذرياً، مع تصاعد حرب باردة جديدة بين الولايات المتحدة والصين، إلى جانب تزايد حدة التنافس مع روسيا التي تتجه شرقاً نحو تعزيز شراكاتها مع بكين، حيث يتقارب فلاديمير بوتين وشي جينبينغ في ملف الطاقة لمواجهة النفوذ الأميركي في النظام الدولي؛ وفي الوقت نفسه، تعمل الصين على بسط نفوذها وقوتها في جميع الاتجاهات الاقتصادية والعسكرية، لا سيما في بحر الصين الجنوبي، الذي يعد من أهم الممرات التجارية في العالم، مما قد يزيد من احتمال التوتر بين الصين والولايات المتحدة.

من جهة أخرى، تواجه خريطة الشرق الأوسط، التي رُسمت بعد الحرب العالمية الأولى، تحديات متزايدة بسبب الصراعات العرقية والدينية، وبروز الجماعات الجهادية المتطرفة وتصاعد وتيرة التنافس الإقليمي؛ إضافة إلى تداعيات ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة الحروب والنزاعات المسلحة التي شهدتها المنطقة، مما يخلق مخاوف بشأن مستقبل الطاقة والوضع الاقتصادي.

وخلاصة القول، يتيح هذا التحول في النظام العالمي فرصاً جديدة أمام الدول لإعادة التموقع داخل الساحة العالمية، لكنه في المقابل فرض تحديات مرتبطة بالصراعات وعدم الاستقرار والتنافس على النفوذ؛ وفي خضم هذا الواقع، برزت الحاجة إلى بناء تحالفات وشراكات أكثر مرونة واستجابة للتغيرات الجيوسياسية.

* أكاديمية مغربية