كلّما رأيتها لامعة متبسّمة في ركن من أركان مكتبتي، شعرت بنوع من الفخر والسعادة، لأنها لا تزال بحالة جيدة وتتحرّك باستمرار، إذ فرضت عليّ أن تبقى حرّة طليقة بجانب أي كتاب أو رفّ لتذكّرني بهوايتي القديمة، التي لا أزال أمارسها، وهي الزراعة.

تلك هي علبة الشطرنج التي حصلت عليها في الصف الثالث الابتدائي بمدرسة فهد العسكر في منطقة كيفان، وكنت قد سجّلت اسمي في نشاط الزراعة، وفي فترة (الفرصة) تعلّمنا بواسطة إحدى المدرّسات زراعة الطماطم وأنواع أخرى، لم تكن تفاصيل تلك العملية مهمة بقدر أهمية الرسائل المبطّنة فيها، فنحن تعلّمنا الكثير بدل اللعب، وزرعت فيها محبة اللون الأخضر في مرحلة عمرية تستقبل كل جديد.

في نهاية المطاف، عندما انتهى موسم الزراعة وبدأ الحصاد، جمعت (الأبلة) حصيلة ما زرعناه، وزارت كل طالب شارك معها في فصله الدراسي، وأنا أحدهم، لتتوقف (الحصة) لدقائق، وينادَى على اسم الطالب ليسلّم كيساً مليئاً بالطماطم مع علبة شطرنج كهدية، وهنا قد أكتفي عند هذا الحد بتلك الذكرى، ولكن كيف يمكن أن أفوّت نوع الهدية؟ إنها شطرنج يا سادة وفي المرحلة الابتدائية، هل تتخيلون مستوى التفكير الذي وضع لعبة الشطرنج في حساباته؟ مع أن بعض أدوات القرطاسية أو منبّه الساعة كانت تكفي وتؤدي الغرض.

Ad

أثناء بحثي في سيرة الراحل الأستاذ والمعلّم عبدالعزيز حسين، وجدت أنه السبب وراء إدخال النشاط الزراعي في الأنشطة اللاصفية، وتلك كانت نظرة مستقبلية هدفت إلى تغيير نمط تفكير أجيال كثيرة في زمن لم تتوافر فيه بنية زراعية لهواة الزراعة ومحبّيها كما هي اليوم، وزيارة قصيرة للمشاتل كفيلة بأن تبهرك بما هو متوافر من معدّات ونباتات وبذور، وحجم الطلب الكبير الذي أوجدها بلُغة السوق.

لقد تحولت الكثير من أسطح المنازل إلى حدائق صغيرة وثقافة مجتمعية عامة، انتعشت بسببها تجارة أعمال النجارة والديكور التي حوّلت الكثير من البيوت إلى كائنات حيّة تفيض بالبهجة والسرور واللون الأخضر، اليوم؛ وبعد أن تجاوزت درجات الحرارة في الكويت الأرقام القياسية العالمية، تأتي بلدية الكويت لتفرض رسوماً وغرامات على الزراعة التجميلية أمام المنازل بحُجّة التنظيم ووضع الضوابط!

برأيي المتواضع، ومادامت الحكومة تسير في طريق الهيكلة لمؤسساتها، فعليها حسم وجود الهيئة العامة للزراعة وبلدية الكويت، بأن تضم إحداهما إلى الأخرى، إذ لا يُعقل أن الأولى (تزرع) وتشجّع على الزراعة، والثانية (تقلع) وتحذّرنا من الزراعة!