أشرت في مقالي بصحيفة الجريدة، في أول أبريل 2026، بعد إغلاق مضيق هرمز في 3 مارس الماضي، الى عدد من المؤشرات والإحصاءات التي جعلت من الإغلاق مصدراً جوهرياً للصدمة الاقتصادية ونتائجها السلبية الآنية والمستقبلية على الحساب التجاري (التوازن الخارجي) والموازنة العامة للدولة (التوازن الداخلي). وامتدت تأثيرات هذه الصدمات الى العديد من الأقاليم الاقتصادية والدول، خاصة المُستهلكة للنفط والمنتجات البتروكيمياوية، مع إشارة إلى الأسمدة وتأثيراتها على المنتجات الزراعية، وبالتالي معدل التضخم، وآثار اقتصادية أخرى. 

ولغرض الحدّ من جعل اقتصادات مجلس التعاون لدول الخليج العربية أسيرة لمثل هذه النوع من الصدمات الاقتصادية مستقبلاً، فإن العمل، تطبيقياً، على تنفيذ بدائل نقل بحرية، وبريّة، وبآجال زمنية قصيرة ومتوسطة الأجل، يعد خياراً استراتيجياً من الناحية الاقتصادية، ومن المهم أن يمثّل أولوية. لما يتضمنه ذلك من نتائج لتقليل درجة المخاطر، ورفع درجة التكيّف وامتصاص الصدمات Resilience التي غالبا ما تكون أحد اهتمامات تقارير المادة الرابعة السنوية الصادرة من صندوق النقد الدولي لدول المجلس، وتقارير أهم الوكالات الدولية الثلاث للتصنيف الائتماني الدولية (فيتش، وستاندرندر وبورز، وموديز). 

علماً بأن المتاح، حالياً، من خطوط نقل برية للنفط الخام، محدود بعدد من الخطوط الأنابيب البرية، منها تلك بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات (المعروف باسم الشرق - الغرب، أو خط بترو لاين Line Petro)، والتي توفّر أقصى طاقة نقل بحدود 3.5 - 5.5 ملايين برميل/ يوم، والتي لا تمثّل إلّا في حدود حوالي 27 بالمئة من متوسط كمية النفط الخام المنقول عن طريق المضيق (حوالي 20 مليون برميل/ يوم).

Ad

ورغم رفع طاقة نقل هذه الأنابيب، عام 2019، الى 7 ملايين برميل/ يوم، فإن محطة التحميل في ينبع لم تصمم لتحميل هذه الطاقة. ولا يزال النفط المتجه من ينبع إلى أوروبا بحاجة إلى عبور مصر عبر خط أنابيب سوميد، الذي لا تتجاوز قدرته 2.5 مليون برميل يوميًا. ومن الجدير بالذكر تعرُّض البترو لاين، في أبريل الماضي، لهجوم بمسيّرة معادية على محطة ضخ، أدت إلى تعطيل 700 ألف برميل يومياً. وقد أعادت «أرامكو» السعودية، المُشغلة للخط، تأهيله بطاقته الكاملة خلال 3 أيام. كما أعلنت الرياض وأنقرة، قبل أيام، اتفاقاً مبدئياً بإنشاء ممر تجاري يربط السعودية بتركيا نحو أوروبا وبطول يصل الى 3 آلاف كيلومتر. ويبقى تحدي ضمان الحماية لمثل هذه الخطوط البديلة للمضيق. 

أما البديل الثاني فيمرّ عبر الإمارات، وهو خط أنابيب نفط أبوظبي الخام، أدكوب (ADCOP)، الممتد من حبشان إلى الفجيرة على جانب خليج عمان، وبطاقة تزيد بقليل على مليوني برميل/ يوم. ويعتبر هذا البديل هو الوحيد الذي يخرج من الخليج العربي مباشرة إلى المحيط الهندي. وكما هي الحال مع بترولاين، فقد تعرّض للاستهداف من خلال مسيّرة معادية على الفجيرة في 3 و14 و16 مارس الماضي، وما ترتّب على ذلك من إشعال الحرائق في صهاريج التخزين وتعليق عمليات التحميل، بينما يوفر أدكوب بعض التنويع للإمارات. ويبرز مرة أخرى تحدّي ضمان الحماية للبديل الثاني. 

أما دولة الكويت فقد بلغت صادراتها من النفط الخام قبل الحرب أعلى بقليل من حوالي مليوني برميل/ يوم، وعن طريق المضيق، ولا يوجد استخدام حالي لبديل أنابيب. وعليه أعلنت مؤسسة البترول الكويتية، في حينها، حالة القوة القاهرة في مارس، مما سمح لها مؤقتًا بتعليق التزامات الدولة بتلبية عقود التسليم.

وفي حالة دولة قطر، فإن لها وضعاً مختلفاً، حيث بلغت صادراتها من النفط الخام حوالي 0.6 مليون برميل/ يوم، وعبر المضيق بالكامل. والمهم بالنسبة لقطر هو صادرات الغاز الطبيعي المسال، والذي يقدّر إنتاجه بنحو 77 مليون طن في راس لفان، وهو الأكبر في العالم، والذي يساهم بحوالي 19% من تجارة الغاز المسال العالمية. ولا يوجد بديل لشحن هذا الغاز عبر «هرمز». 

ويعتبر الوضع أسوأ بالنسبة إلى منتجي النفط الكبار الآخرين في منطقة الخليج العربي، حيث كانت صادرات العراق قبل الحرب تصل الى حوالي 3.4 ملايين برميل/ يوم، وتمرّ بالكامل تقريباً عبر مدينة البصرة الجنوبية ومضيق هرمز. هناك خط أنابيب شمالي واحد، يربط حقول النفط في كركوك بجيهان في تركيا. وقد أعيد تشغيل هذا الخط، في سبتمبر 2025، بعد توقُّف دام عامين ونصف العام، مع زيادة تدفقاته إلى 250 ألف برميل يومياً في مارس. لكن هذا الحجم لا يذكر مقارنة بإجمالي الصادرات النفطية العراقية.

وقامت إيران ببناء ممر ملتف حول «هرمز»، ومن خلال خط أنابيب بطول 1000 كيلومتر، من غوره عند رأس الخليج إلى محطة في جاسك على خليج عمان، وبطاقة ضخ بلغت مليون برميل/ يوم. إلّا أن العقوبات وعدم اكتمال البنية الأساسية أبقتا الطاقة الفعلية منخفضة، حيث قدّرت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أنه في صيف 2024، كان أقل من 70 ألف برميل يومياً يتدفق عبر الخط. وتوقفت عمليات التحميل تماماً في سبتمبر من ذلك العام، ولم يتم تحميل سوى ناقلة واحدة فقط، بحوالي مليوني برميل، في جاسك خلال الحرب حتى الآن.

وفي ظل الوضع الجيوسياسي السائد، والتكلفة المرتفعة نسبياً (والتي قد لا تمثّل قيداً أساسياً مقابل ضمان النقل الآمن) للخطوط البرية البديلة للمضيق، إلّا أن التحدي، كما أشرنا، هو ضمان الحماية (المستدامة) لمثل هذه الممرات لدول الخليج العربية ضد أي عمل عدائي محتمل مستقبلاً. 

إن تحييد أهمية مضيق هرمز، كممر بحري شبه مُحتكر، لا بُد أن يمثل أولوية استراتيجية اقتصادية لكل الدول العربية المستخدمة للمضيق، لتحييد أي صدمات خارجية محتملة مستقبلاً بسبب المضيق.