لا يختلف اثنان على أن احترام الأنظمة وتطبيق القانون يعدان من الركائز الأساسية لأي دولة تسعى إلى تحقيق العدالة وحماية الحقوق والمحافظة على المصلحة العامة. كما أن إزالة المخالفات ومعالجة التجاوزات أمر ضروري لضمان التنظيم ومنع التعدي على الممتلكات العامة أو الإضرار بالمخططات والخدمات. لكن في المقابل يظل من المهم النظر إلى مسؤولية الجهات المعنية عندما تتراكم المخالفات لعقود طويلة دون معالجة أو متابعة.

فالمشكلة لا تكمن دائماً في وجود المخالفة بحد ذاتها بل في غياب الرقابة المستمرة والتطبيق المتساوي للقانون. عندما تُنشأ مخالفة وتبقى سنوات طويلة دون إنذار أو متابعة فإن ذلك يخلق لدى بعض المواطنين قناعة بأن الوضع قائم بموافقة ضمنية أو على الأقل بتغاضٍ من الجهة المختصة. ومع مرور الزمن تتحول هذه المخالفات إلى واقع قائم يرتبط بحاجات الناس ومصالحهم اليومية.

ومن هنا فإن تحميل المواطن وحده كامل المسؤولية بعد سنوات طويلة من التقاعس الإداري قد لا يحقق العدالة المنشودة. فالجهات الحكومية مكلفة أساساً بالرقابة والمتابعة ومنع المخالفات منذ بدايتها لا بعد أن تتوسع وتصبح ظاهرة يصعب التعامل معها لذلك فإن أي معالجة ناجحة يجب أن تتضمن مراجعة لأسباب تراكم المخالفات ومساءلة الجهات التي قصرت في أداء واجباتها بالتوازي مع تطبيق القانون على المخالفين.

Ad

وفي كثير من الحالات يمكن أن تكون المعالجة التنظيمية أكثر فاعلية من الإزالة الشاملة والفورية. فبدلاً من هدم أو إزالة بعض المنشآت التي يمكن تقنين أوضاعها يمكن إعداد لوائح واضحة تمنح تراخيص وفق اشتراطات محددة ورسوم معقولة بما يحقق المصلحة العامة ويحافظ على حقوق الأفراد ويعزز إيرادات الدولة. كما أن هذا النهج يسهم في تحويل المخالفات القائمة إلى أوضاع نظامية تخضع للرقابة والالتزام المستقبلي.

إن المطالبة بتطبيق القانون لا تعني القبول بالانتقائية أو التفاوت بين المناطق والأنشطة المختلفة. فالعدالة تقتضي أن يشمل التطبيق جميع المخالفات وفي كل المناطق دون استثناء سواء كانت في الشاليهات أو المناطق الصناعية أو الأحياء السكنية أو غيرها. كما تقتضي أن يكون هناك وضوح في الإجراءات ومساواة بين الجميع.

وفي النهاية فإن نجاح أي حملة لمعالجة المخالفات يعتمد على تحقيق التوازن بين الحزم في تطبيق النظام والاعتراف بمسؤولية الجهات المقصرة عن تراكم المشكلات. فالقانون يجب أن يُطبق على الجميع لكن الإدارة الفاعلة هي التي تمنع المخالفة قبل أن تتجذر لا أن تتركها سنوات ثم تجعل المواطن وحده يدفع ثمن التقاعس .