تتسابق وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي سنوياً في نقل وتداول المؤشرات الدولية التي تصنف الأنظمة الصحية حول العالم. وفي غمرة هذا الاحتفاء الرقمي، يغيب عن الكثيرين إخضاع هذه التقارير لمبضع النقد العلمي والمنهجي. ولعل أحدث دليل على هذه الفجوة الهائلة بين لغة المؤشرات المضللة وواقع الحال، هو التصنيف الصادر مؤخراً عن مجلة CEOWORLD لعام 2025 بشأن «أفضل أنظمة الرعاية الصحية في العالم».

ولكي يتخيل القارئ حجم التناقض الصارخ وعدم الواقعية في هذا التقييم، يكفي أن نستعرض معاً خارطة الترتيب العجيبة التي وضعها، حيث تربعت تايوان في المرتبة الأولى تلتها كوريا الجنوبية ثانياً، بينما هيمنت دول أوروبا على بقية المراكز العشرة الأولى، وتزداد المفارقة غرابة حين نجد الولايات المتحدة في المرتبة 15، وفرنسا في المرتبة 25، لتأتي بعدها الهند في المرتبة 29، ولوكسمبورغ في المرتبة 30، والبرازيل 38، وإندونيسيا 39، والمكسيك 45. 

وتصل العشوائية ذروتها عندما تتقدم دول تعاني بوضوح من أزمات هيكلية واقتصادية حادة لتسبق قامات طبية راسخة، فنرى تونس في المرتبة 49، ولبنان المثقل بالجراح في المرتبة 50، وألبانيا والبوسنة في المرتبة 52، وصولاً إلى أنغولا 68 وكينيا 69! وفي مقابل هذا الصعود غير المنطقي لأنظمة متهالكة وشحيحة الموارد، نجد دولاً كدولة الكويت تأتي في المرتبة 73، ودولة قطر في المرتبة 75، تليها ماليزيا في المرتبة 88. إن هذا التراجع الحاد لدوائر القرار الطبي والإنفاق الرأسمالي الضخم في منطقة الخليج العربي خلف دول تفتقر لأبسط الإمكانيات يضعنا أمام علامة استفهام كبرى حول مصداقية هذه الأدوات التقييمية.

Ad

معايير قاصرة تقيس التكلفة لا الجودة

لفهم هذا الخلل، يجب أولاً تفكيك المنهجية التي تعتمد عليها مثل هذه المؤشرات الدولية. إن غياب الواقعية ينبع من اتكاء التصنيف على استطلاعات رأي انطباعية، أو معادلات مرجحة تمنح وزناً أكبر ومعيارية مضللة لـ «رخص الخدمة الطبية» أو «وفرة الأدوية التقليدية المحلية»، بدلاً من التركيز على «المعايير السيادية الجوهرية» كحجم الإنفاق الحكومي الفعلي لكل فرد، ومدى جودة وتطور التكنولوجيا الطبية المستخدمة.

وبموجب هذه النظرة السطحية، تمت مكافأة أنظمة صحية لمجرد أنها تقدم خدمات رخيصة وسهلة الوصول، حتى وإن كانت تلك الخدمات تقدم في مستشفيات تفتقر لأبسط مقومات التعقيم والتجهيز الطبي، بينما تمت معاقبة الأنظمة المتقدمة لأن تكلفتها الرأسمالية العالية اعتُبِرت عبئاً يقلل من كفاءة النظام بدلاً من أن يكون دليلاً على ريادته.

مقارنات غير عادلة مع مناطق تعاني طبياً

يتجلى القصور المنهجي للمؤشر عندما نرى تصدر بعض دول أوروبا الشرقية، أو أميركا اللاتينية، أو شبه القارة الهندية وبعض دول العالم العربي التي تمتلك منظومات صحية تقليدية ومتهالكة تشغيلياً ومادياً. إن إقحام هذه المناطق في صدارة الترتيب يتناقض مع الواقع، فهذه الأنظمة تعاني تاريخياً وهيكلياً من شح التمويل الحاد، ونقص مستمر في المستلزمات الطبية الأساسية، فضلاً عن ظاهرة «الهجرة الجماعية» للأطقم الطبية والأطباء الاستشاريين بحثاً عن بيئات عمل أفضل. فكيف يمكن لمؤشر علمي رصين أن يمنح أفضلية لمنظومة صحية عاجزة عن استبقاء كفاءاتها البشرية، وتعتمد على أدوات علاجية من العقود الماضية، ويضعها في مرتبة أعلى من أنظمة خليجية مستقرة وجاذبة ومكتملة الأركان؟

الصروح الخليجية الشامخة وتكنولوجيا الجيل الخامس

وعندما نقارن هذا القصور بالواقع الحقيقي في دولتي الكويت وقطر، تتجلى بوضوح المفارقة غير المنطقية. إن الكفاءة الحقيقية لأي نظام صحي لا تُقاس بانطباعات عابرة أو استبيانات سطحية، بل بالقدرة على توفير شبكة أمان صحي شاملة ومجانية للمواطنين، مدعومة بصروح طبية عملاقة تضاهي المراكز العالمية. 

وهنا نتساءل: كيف يمكن لمؤشر أن يغفل دور مدن طبية ومستشفيات شامخة كمستشفى جابر الأحمد ومدينة الصباح الصحية في الكويت، أو مستشفى حمد العام ومركز سدرة للطب في قطر؟ هذه المنشآت تحتضن أحدث ما توصلت إليه الثورة الصناعية الرابعة من أجهزة الجراحة الروبوتية، والعلاجات الجينية، ومختبرات الخلايا الجذعية، فضلاً عن استقطاب نخب الكفاءات الطبية العالمية التي تكاد تنعدم في دول صنفها المؤشر في مراتب عليا بفضل انخفاض كلفة الخدمة فيها فقط.

منظومة «ضمان» وإعادة الهيكلة الاستراتيجية

ومع ذلك، فإن هذا النقد الموضوعي للمؤشرات الدولية لا يعني الركون إلى واقعنا الحالي بأنه السقف النهائي لطموحاتنا، بل يجب أن يكون دافعاً لتعزيز هذه المكتسبات والبناء عليها من خلال رؤية نقدية داخلية تستهدف الاستدامة والتطوير المستمر. وتبرز هنا خطوة تشغيل مستشفيات منظومة «ضمان» الصحي في الكويت كأحد أهم التحولات الاستراتيجية لإعادة هيكلة القطاع الطبي.

ولعل القيمة الاستشرافية لمنظومة «ضمان» تتضح بالعودة إلى الجذور التاريخية لهذه الفكرة التي بزغت في عام 2001، حين كانت ميزانية وزارة الصحة لا تتجاوز 290 مليون دينار، وفي ظل بيئة اقتصادية حرجة شهدت قبلها ببضع سنوات هبوطاً حاداً لأسعار النفط إلى أعتاب 8 دولارات للبرميل. ومن رحم تلك التحديات، تبلورت الرؤية بأنه لا سبيل للمحافظة على ديمومة الخدمة الصحية الفائقة واستدامة كفاءتها أمام تقلبات الأسواق النفطية، إلا بإحداث نقلة هيكلية جذرية تتمثل في تحويل نحو مليوني وافد إلى منظومة مستشفيات «ضمان»، ليتولى القطاع الخاص مسؤولية تكفلهم وإدارة منظومتهم العلاجية بالكامل كشريك استراتيجي للدولة. 

واليوم، ومع بدء الدوران الفعلي لعجلة مستشفيات «ضمان» على أرض الواقع، فإن نجاح هذا النموذج وتطويره المستمر يمثلان حجر الزاوية لإعادة التوازن الهيكلي بين القطاعين الحكومي والخاص، مما يضمن تخفيف الأعباء التشغيلية عن كاهل المستشفيات العامة، ويسهم في تفرغها للارتقاء بالتخصصات الدقيقة، والطب الحرج، ودعم جهود البحث العلمي الطبي لتتبوأ الكويت مكانتها المستحقة في مصاف الأنظمة الصحية الأكثر تقدماً.

الاستدامة المالية وتحدي الكلفة المتزايدة

تكتسب هذه الرؤية التطويرية أهمية قصوى وقيمة استشرافية بالغة بالنظر إلى التحولات الاقتصادية والطبية العالمية، فكلفة الخدمة الصحية في تزايد مستمر ومتسارع على مستوى العالم نتيجة ارتفاع أسعار التكنولوجيا الطبية الحيوية، والأدوية المبتكرة، وحلول الذكاء الاصطناعي الطبي. 

لقد أصبح التمويل التقليدي غير كافٍ وحده لحماية المنظومات الطبية على المدى الطويل، ومن هنا تأتي أهمية ابتكار حلول تمويلية وتشغيلية حديثة تضمن استدامة القطاع الصحي ومناعته المالية ضد التقلبات الاقتصادية العالمية، حتى لا نقع في فخ التراجع التكنولوجي الذي تعاني منه الدول ذات الميزانيات الضعيفة.

التحول الديموغرافي ورعاية كبار السن

ويضاف إلى تحدي التكلفة العالمية، تحدٍ محلي وإقليمي بارز يتمثل في التزايد المطرد لنسبة فئة كبار السن في المجتمع. هذه الفئة العزيزة تتطلب بطبيعتها بروتوكولات رعاية طبية وصحية مكثفة، متخصصة، وطويلة الأمد (Long-term care)، مما يترتب عليه بالضرورة زيادة مطردة في كلفتهم الصحية وضغط مستقبلي على ميزانيات الدول. بناءً على ذلك، يصبح تطوير نظام الرعاية الصحية وتفعيل الشراكات التشغيلية الحديثة كمنظومة «ضمان» ضرورة حتمية لضمان استدامة الخدمات الفائقة وحمايتها للأجيال القادمة، لتبقى الكويت دائماً في طليعة الوجهات الطبية الآمنة والمستقرة.

وفي الختام، نؤكد أن الكفاءة الحقيقية للنظام الصحي تُقاس بالقدرة على الصمود، وضمان الاستدامة المادية، والجاهزية لمواجهة التحديات الديموغرافية المستقبلية، وليس باستبيانات الرأي السياحية لتلك المؤشرات أو التقارير الرقمية المضللة. وإننا نتطلع اليوم إلى مبادرة خليجية أو عربية لإنشاء مؤشر إقليمي موحد يعتمد معايير دقيقة تحاكي الجودة الفعلية، والتطور التكنولوجي، والاستقرار التمويلي للقطاع الصحي، لتعكس الصورة الحقيقية لمنجزاتنا الطبية أمام العالم بكل إنصاف.

* وزير الصحة الأسبق