يقول الله سبحانه وتعالى في الآية 61 من سورة النحل (وَلَوْ يُؤَاخِذُ ٱللَّهُ ٱلنَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَـٰكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَىٰٓ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَـْٔخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)، هذا هو تعامل الخالق مع مخلوقاته، أما الإنسان المخلوق فقد كان «عجولا»، لأنه يريد أن يؤاخذ الناس ويحاسبهم ليس على أقل زلة يرتكبونها فقط، وإنما ليحاسبهم على انتمائهم الاجتماعي والسياسي والديني وحتى العرقي أيضاً. وخلال مشاهداتي للاضطرابات، التي تعيشها المنطقة وانعكست سلباً على دول العالم، يتضح أن التشدد لا يقتصر على الدين فقط وإنما ينسحب على العديد من جوانب حياتنا اليومية الاجتماعية والثقافية والسياسية. فمثلاً كلنا اشتركنا في لعبة الكراسي الموسيقية في مرحلة الطفولة، فعلى نغمات الموسيقى الصاخبة وبين قهقهات المتفرجين على الرابحين والخاسرين ومع تناقص فرص البقاء والنجاة من الإقصاء «الشرعي» يتم اختيار الأفضل. هل كان الفائز جديراً بالنجاح لقوته البدنية؟ أم لأن الجمهور كان يميل لتشجيع من حظي بالفوز؟ أم لأن الموسيقى توقفت عندما كان الفائز قريباً من الكرسي الوحيد؟ وأياً كان السبب فنحن تدربنا منذ نعومة أظافرنا على الانجذاب لوسيلة الإقصاء بطريقة محببة من خلال نشاط رياضي وموسيقى، تماماً كما يقدم لك أحدهم هدية رخيصة ملفوفة بورق السولفان المتلألىء مع شوية موسيقى. هي مقدمات ومقبلات لما هو قادم في حياتنا من إقصاءات متنوعة قد تنتشر بعروق حياتنا السياسية (الانتخابات الفرعية) والاجتماعية (العنصرية) والاقتصادية (التنافس). هذه الإقصاءات تذكرني بمن يقول (اللهم اشف مرضى المسلمين) وبالواقع يمارس مع نفسه لعبة خروج المغلوب من المسلمين، فيدعو لشفاء مرضى مسلمي بلاده فقط، ثم مسلمي الحي الذي يقطنه، ليصل إلى أسرته، رغم أن هناك مرضى غير مسلمين يستحقون الدعاء لشفائهم لأنهم أفادوا البشرية أكثر من غالبية المسلمين. هذا الإقصاء واقع مرير يعيشه من يجهل كيفية عشق الوطن، حتى صار أمراً طبيعياً طوال التجارب الحياتية، ليصبح ماركة مسجلة لنتاج ثقافة أو بيئة منغلقة، أنجبت مرضاً أو فوبيا اجتماعية. ويا ليت توقفت عمليات الإقصاء وممارسة لعبة خروج المغلوب في بعض مناحي الحياة، بل هي تصل بجهلاء الدين بعمل فرز لمن يدخل الجنة. ولا أتمنى أن يكون تحت رماد الجهل بكيفية التوافق الاجتماعي إقصاءات أخرى قد تمزق أي مجتمع متجانس إلى أشلاء. أقول هذا بعد أن شاهدت وسمعت وقرأت عن تفاصيل ما جرى ويجري في منطقتنا من توترات أمنية، أحسست بسببها بأننا بحاجة ماسة إلى تربية وطنية ترسخ معنى الانتماء إلى الأرض ومفهوم الولاء للوطن، بعيداً عن فكر الإقصاء السياسي أو الاجتماعي أو الديني، وهو فكر لا علاقة له بالإخلاص للوطن بتاتاً. فنحن لا نقدر على إقصاء مواطن إذا ما أبدى رغبته الجامحة في الدفاع عن وطنه لمجرد أنه يختلف عن البقية في معتقده، وإلا فإننا سنفتح الباب واسعاً أمام قائمة أخرى من الإقصاءات حتى ينتهي بنا المطاف أن شخصاً واحداً من بين مليارات البشر ينطبق عليه وصف المواطن الصالح ليحق له دخول جنة الوطن.
مقالات - زوايا ورؤى
بقايا خيال: التربية الوطنية مصد لما تحت الرماد
28-06-2026