كيف يتعامل مجتمع ما مع فكرة جديدة أو سلوك معيّن؟ قد يكون الجواب المباشر أنه من مخزون ذلك المجتمع وميراثه تنبعث طرق التعامل معها، ولكن توجد هناك مجتمعات لا تتعلم سوى بالطرق الصعبة، وأحياناً المؤلمة.

قبل ثلاثة عقود، وربما أكثر، كانت المجمعات التجارية والمباني الرسمية تُنجز بتصميمات تخلو مداخلها الرئيسية ودورات المياه فيها من فرضية وجود أشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، لذلك خرجت بعض الأصوات تناشد المسؤولين بتخفيف معاناتهم، سواء من المراجعين أو الموظفين، ومع مرور الوقت تطوّر الوعي الجمعي، وأصبح توافر متطلبات تلك الفئة من الناس أمراً اعتيادياً لا يتم النقاش به سوى بالزيادة لا بالنقص.

لدينا مرض آخر هو (التوحد) وكل ما يتفرّع منه علل ذهنية، ظل سنوات طويلة مسكوتاً عنه، والجميع غارق في حيرة تفسيره وتصنيفه وطرق التعامل معه، حتى أصبح اليوم ثقافة عامة وله مؤسساته وقوانينه ومدارسه وأدواته ومختصوه.

Ad

هنا أنا لن أعاتب أو أحاسب كل الناس على سرعة استيعابهم، فهُم في الفهم ليسوا سواء، لأن الله خلقهم مختلفين، وحتى الأشقاء مهما تشابهوا نجدهم في طباعهم وقدراتهم متفاوتين، لكنني أعاتب أصحاب القرار الذي يتجاهلون التنبيهات المبكّرة التي تصدر من العاملين معهم أو من بعض وسائل الإعلام، والتي تكشف عن وجود خلل قائم أو قادم.

وأعود إلى الفهم الصعب في المجتمعات التي لا تتعلم سوى بالطرق الصعبة وأحياناً المؤلمة، وأعني أن أفراد تلك المجتمعات لا يحترمون (الاحتياجات الخاصة) إلّا بعد أن تصيبهم مباشرة، وقد استخدمت المثالين السابقين عن عمد، لأنني على قناعة تامة بأن انتشار الوعي في بعض المجتمعات لا يحدث إلّا بهذه الطريقة.

ختاماً، تلك الأمثلة على الوعي الجمعي ليس لها حدود، وتدخل في نطاقها السياسة والاقتصاد وكل شيء، ولنتخيل مثلاً في بلد ديموقراطي مثل بريطانيا، لو طُرحَت أفكار تقيّد عمل الصحافة أو حق التظاهر، هل تعتقدون أن الوعي الجمعي سيسمح بقبولها؟ من المؤكد أنها ستُرفض و(تُوأد) من الناس قبل الأحزاب، لأنهم عرفوا قيمة الحرية ومروّا بتجارب مأساوية حتى وصلوا إليها.