الحرب الباردة صراع بين قوتين لا تتصادمان بشكل مباشر، حدثت بين أميركا والاتحاد السوفياتي بنهاية الحرب العالمية الثانية ليتصارعا على النفوذ في آسيا وأوروبا الشرقية، واستمرت حتى تفكك الاتحاد السوفياتي بداية التسعينيات، واستجدت بعد بروز روسيا، فبهذه الحرب يدعم كل طرف حلفاءه للدخول في حروب بالوكالة أو يحارب هو بشكل مباشر ضد حلفاء الآخر، وأكبر مثال غزو السوفيات لأفغانستان لعقد كامل منذ 1979 لدعم الحكومة الشيوعية ضد طالبان الذين دعمتهم أميركا ودول عربية، وانتهت الحرب بهزيمة السوفيات وانسحابهم وعودة طالبان. وبعد اثني عشر عاماً غزت أميركا أفغانستان، وأسقطت طالبان للسيطرة على الحكومة الليبرالية، وبعدها بعشرين عاماً تكرر سيناريو السوفيات وانسحبت أميركا بإذلال ليعود طالبان للحكم ويعلقون المتعاونين بمشانق على أعمدة الإنارة!

مثال آخر للحرب الباردة تمر ذكراه غداً من عام 1965 بدخول أميركا مع فيتنام الجنوبية في حرب ضد فيتنام الشمالية الشيوعية ويدعمها السوفيات، فخرجت أميركا بعد عشر سنوات بأكبر هزيمة تاريخية كلفتها قرابة ستين ألف قتيل ومئة وعشرين مليار دولار!

لابد لأي عاقل أن يُسقط تاريخ أميركا الفاشل بحروبها الباردة على حربها الدائرة الآن خوفاً من تكرار سيناريو فشلها، لذلك علينا عدم قبول ما تمليه علينا من اتفاقية هزيلة مع إيران لم تأخذ رأينا فيها منذ بداية التفاوض، اتفاقية نعتقد أن وزير خارجيتها روبيو جاء الأسبوع الماضي ليسوقها ولكن تحت عنوان صحافي «طمأنة دول الخليج بشأن مسار المفاوضات الأميركية الإيرانية»، مفاوضات ركيكة إلى حد نشوب قصف متبادل بينهما منذ يومين! كما علينا رفض أي تمويل لصندوق إعمار إيران بثلاثمئة مليار، في الوقت الذي نطالبها فيه بتعويضنا عما أحدثته من دمار.

Ad

المضحك أن جميع أطراف الصراع منهكون عسكرياً واقتصادياً، فنصف شعب إيران تحت خط الفقر، وجيشها شبه مدمر سوى بضعة صواريخ تطلقها بين الحين والآخر، وترامب يطالب الكونغرس بسبعة وثمانين ملياراً لتغطية تكاليف حربه مع إيران، أما إسرائيل ففضحها ترامب بأنها لولا دعمه الشخصي لمسحت من على وجه الأرض! لذلك فالانتصار السياسي في هذه الحرب سيكون تفاوضياً، وهو ما يمكن أن تتفوق فيه إيران من خلال وزير خارجيتها د. عباس عراقجي صاحب كتاب «قوة التفاوض: مبادئ وقواعد المفاوضات السياسية والدبلوماسية»، والذي عمل أستاذاً بجامعة طهران وخريج جامعة كنت البريطانية، وقاد المفاوضات الإيرانية للاتفاق النووي في 2015.

ولما كانت أميركا كعادتها تترك حلفاءها في مهب الريح عند خروجها من أي حرب باردة فإن عودة الصراع بالخليج، بسبب مضيق هرمز، ممكن في أي لحظة، مما يتطلب من دول الخليج أن تكون جاهزة للدفاع عن نفسها بعد نجاحها بعدم المشاركة بشكل علني طوال الحرب الأميركية الإيرانية، وحتى نتفادى المواجهة فإننا ننصح بأن يجري الخليجيون مفاوضات جادة ومنفصلة مع إيران بعيداً عن أميركا لضمان أمن الخليج، شريطة عدم تدخل إيران في الشؤون الداخلية لدول مجلس التعاون، فابتعاد الخليجيين عن أميركا مهم، لأنها تبدو كاستعمار ناعم جاء ليملي علينا شروطه، كما نحذرهم من الانزلاق بالنتائج الفاشلة لحرب أميركية باردة أخرى.

***

إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي.