لسنوات طويلة، وكرة القدم تُقاس بحجم الأسماء، وعدد النجوم، وقيمة اللاعبين في سوق الانتقالات، لكن كأس العالم الحالية ربما قررت أن تعيد تعريف النجاح بطريقة مختلفة، فليس الأغنى ولا الأشهر هو من يفرض نفسه، بل الأكثر استعداداً، والأوضح مشروعاً.

أبرز الأمثلة يأتي من الرأس الأخضر، المنتخب الذي يشارك للمرة الأولى في تاريخه، لكنه لم يأتِ لالتقاط الصور التذكارية، فقد بدأ البطولة بفرض التعادل على إسبانيا، ثم كرر المشهد أمام الأوروغواي قبل أن يختتمه بذات الطريقة أمام المنتخب السعودي، ليحجز بطاقة التأهل للدور الثاني خلف الإسبان على حساب منتخبين يملكان تاريخاً وخبرة أكبر، وإمكانات تمنحهما حق الطموح بالعبور، ولم يكن ذلك ضربة حظ، بل ثمرة عمل منظم وآلية لعب واضحة وثقة لا تعرف عقدة الأسماء.

وفي الطرف الآخر من القارة الإفريقية، تقدم كوت ديفوار وجنوب إفريقيا درساً مختلفاً، فالأولى بقي جيلها، الذي ضم أسماء بحجم ديدييه دروغبا، ويايا توريه، وجرفينيو، عالقاً عند الدور الأول في مشاركاته المونديالية، أما اليوم فيأتي منتخب شاب، يقوده مدرب شاب، ليبلغ الدور الثاني بروح جماعية وانضباط تكتيكي، مؤكداً أن بناء الفريق قد يكون أهم من امتلاك مجموعة من النجوم، أما الثانية فقد فشلت يوماً في تخطي الدور الأول، وهي المنظمة، لتنجح اليوم بتخطيط وإدارة جيدة في تحقيق هدف كان يبدو بعيد المنال.

Ad

الرسالة التي يقدمها المونديال واضحة، وهي أن كرة القدم الحديثة لم تعد تعترف بمن يملك الأسماء الأكبر، بل بمن يملك الفكرة الأفضل، وأن المنتخبات التي تعمل وفق مشروع طويل المدى أصبحت قادرة على منافسة مدارس عريقة، لأن الفارق الحقيقي لم يعد في الإمكانات، بل في كيفية استثمارها.

ولعل أجمل ما في هذه النسخة أنها تعيد الاعتبار إلى كلمة طالما رددناها دون أن نترجمها وهي «المشروع»، فالمشروع لا يضمن النجاح في كل مرة فقط، لكنه يجعل النجاح قابلاً للتكرار، بينما تبقى النجومية وحدها مجرد ومضة قد تخطف الأضواء، ثم تنطفئ.

أما عندنا فربما آن الأوان لأن نتوقف عن البحث عن الحلول السريعة، وأن نقتنع بأن ما أوصل الرأس الأخضر وكوت ديفوار وجنوب إفريقيا، وغيرها من الفرق أو المنتخبات التي لا تملك تاريخاً طويلاً في كأس العالم، إلى هذه الصورة ليس معجزة، بل سنوات من العمل، ففي كرة القدم، كما في كل شيء، المشروع الجيد يسبق الإنجاز، أما الإنجاز بلا مشروع فلا يعيش طويلاً.

بنلتي

الرسالة الأقرب إلينا أن المنافسة اليوم لا تُحسم بحجم الميزانيات ولا بتاريخ الإنجازات، بل بجودة المشروع، فمتى ما امتلكنا رؤية واضحة وعملاً مستمراً فسنكف عن البحث عن الأعذار، ونبدأ في صناعة النتائج.