ولدت الأمم المتحدة من رحم المآسي الإنسانية التي شهدها العالم خلال النصف الأول من القرن العشرين. فبعد فشل عصبة الأمم في منع اندلاع الحرب العالمية الثانية، وبعد الحرب القاسية والمجازر والإبادة البشرية التي حدثت آنذاك اتفقت دول العالم على إنشاء منظمة دولية جديدة يكون هدفها الأساسي حفظ السلم والأمن الدوليين ومنع تكرار الحروب والصراعات التي أودت بحياة الملايين، وحفظ حقوق الإنسان، والتي كان من أبرز مبادراتها بهذا الشأن إقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10 ديسمبر 1948.
وعلى مدار عقود طويلة، لعبت الأمم المتحدة دوراً مهماً في إدارة الأزمات الدولية وتخفيف حدة النزاعات، إلا أن العالم ما زال يشهد حروباً دامية وصراعات مدمرة تثير تساؤلات متزايدة حول مدى فاعلية المنظمة وقدرتها على تحقيق أهدافها الأساسية.
ففي فلسطين، وتحديداً في غزة، تتواصل المآسي الإنسانية وسط إدانات دولية متكررة وقرارات أممية لم تتمكن من وقف نزيف الدم بشكل حاسم. وفي أوكرانيا تستمر الحرب منذ سنوات رغم الجهود الدبلوماسية والمبادرات الدولية. كما تشهد مناطق أخرى من العالم توترات وصراعات متصاعدة تؤكد أن القوة العسكرية ما زالت، في كثير من الأحيان، تتغلب على القانون الدولي والدعوات إلى السلام.
هذه الوقائع دفعت كثيرين إلى التشكيك في فعالية الأمم المتحدة، خصوصاً عندما تكون إحدى القوى الكبرى طرفاً مباشراً أو بشكل غير مباشر في النزاع.
فآلية «الفيتو» داخل مجلس الأمن تجعل اتخاذ قرارات حاسمة أمراً بالغ الصعوبة عندما تتعارض مصالح الدول دائمة العضوية، وهو ما ينعكس سلباً على صورة المنظمة وقدرتها على تنفيذ قراراتها.
ورغم هذه الانتقادات، لا يمكن تجاهل المحطات التي أثبتت فيها الأمم المتحدة أهميتها. ولعل أبرزها تحرير الكويت عام 1991، عندما تمكن المجتمع الدولي من التحرك بصورة جماعية لتنفيذ قرارات مجلس الأمن وإنهاء الاحتلال العراقي للكويت. وقد أعادت تلك التجربة الثقة بأهمية الشرعية الدولية، وأشعرت العديد من الدول الصغيرة والضعيفة بأن هناك نظاماً دولياً قادراً على حمايتها من منطق القوة وفرض الأمر الواقع.
اليوم، ومع تصاعد النزاعات الدولية وتغير موازين القوى العالمية، وإغلاق مضيق هرمز وهو الممر الدولي الذي يغذي نحو 20 في المئة من الاقتصاد العالمي، يبدو أن العالم بحاجة إلى نقاش جاد حول تطوير آليات الأمم المتحدة وتعزيز قدرتها على التعامل مع حالات العدوان وانتهاك سيادة الدول. فالحفاظ على السلام العالمي لا يتحقق بالبيانات والإدانات وحدها، بل يتطلب أدوات أكثر فاعلية وعدالة تضمن تطبيق القانون الدولي على الجميع دون استثناء.
ويبقى السؤال الذي يدور في الأذهان: هل تحتاج الأمم المتحدة إلى إصلاح جذري يعيد إليها قدرتها على حماية السلم الدولي، أم أن العالم بات بحاجة إلى نظام دولي جديد يتناسب مع تحديات القرن الحادي والعشرين؟ هذا السؤال سيظل حاضراً ما دامت الحروب مستمرة، وما دامت الشعوب تنتظر من المجتمع الدولي أن يحوّل مبادئ العدالة والسلام من شعارات إلى واقع ملموس، وبلا شك الشعوب تعيش حالياً في قلق شديد سواء بالدول التي تعاني الحروب أو الدول التي تأثرت اقتصادياً من هذه الفوضى الخلاقة التي يعانيها العالم.