سأطرح على حضراتكم السؤال الذي لم يعرف إجابته أحد إلا الأستاذ خميس.

يقول أحد المعلمين: بعد قرار إنهاء العام الدراسي لطلاب المرحلتين الابتدائية والمتوسطة دون امتحانات، قُلت لصديقي الأستاذ خميس، وهو من أكثر الناس تفاؤلاً: يا أستاذ خميس، كيف ينتهي العام الدراسي هكذا؟ لا امتحانات، ولا دراسة حضورية لكل المراحل، بينما يستمر الدوام الرسمي لطلبة ومعلمي المرحلة الثانوية؟

فقال بثقة المعلم: لا بد من ذلك؛ فالمرحلة الثانوية أكثر جدية، وفيها التحصيل التراكمي لمعدل الطالب الذي يحدد مستقبله بعد التخرج.

Ad

قلت: نعم؛ معك حق... ولكن أخبرني (وهنا السؤال): ما الحكمة من حضور المعلمين والمعلمات بعد انتهاء الدراسة والامتحانات وبعد رصد الدرجات؟! ما الفائدة من حبس أوقات المعلمين في هذه الفترة في المدارس «بثلاث بصمات»!

فابتسم وقال: يا عزيزي؛ نحن الآن في فترة التعليم الافتراضي.

فقلت: وما هو التعليم الافتراضي؟

قال: هو أن تأتي إلى المدرسة بكل أناقتك وزيك الرسمي، ثم تستقبل الطلبة بخيالك الواسع، وتتخيل وجود الطلبة في الممرات والساحات وعند المقصف وفي الفصول، وتتخيل المشاكل والشغب، وتفك الخلاف -إن حصل - وتفصل بين الطلبة المتخاصمين، وتمارس أنشطة افتراضية، ثم تدعوهم وقت الأذان إلى الصلاة.

أَلمْ تشاهد فيلم اسماعيل ياسين الذي يأكل فيه من طبق فاضي، وكأنه يأكل بجد؟... انظر كيف مارس عملية أكل الطعام بدون طعام ... هذا هو الفن واتقان العمل يا أستاذ.

قلت: ولكن هذا ممثل! فقال: وأنت معلم... والمعلم لا بد أن يكون أستاذاً في كل شيء، حتى في الخيال العلمي والتدريس الافتراضي. فابتسمت وقلت له: وما هو التدريس الافتراضي؟

قال: أن تدخل إلى أي فصل من فصول مدرستك الخالية، ثم تضع حقيبتك على الطاولة وتسلم على نفسك تحية طيبة، وتبدأ في التدريس... لن تواجهك أي صعوبات، لا مقاطعات، لا مشاغبات، لا أعذار، لا استئذان، ولا نسيان للواجبات... لن يكون هناك صوت إلا صوتك، ولا رأي إلا رأيك، ولا كلمة إلا كلمتك... والوزارة - جزاهم عنا ألف خير - وفّرت لنا هذه البيئة المثالية للتدريس «الفصول الفارغة» من أجل حرية التعبير، إنها فرصتك للإبداع يا أستاذ - لتخرج كل طاقاتك وفلتاتك المخزونة دون خجل.

قلت وأنا أضحك: يا أخي... فعلاً أنت محق، كيف فاتتنا كل هذه المميزات، نحن فعلاً محظوظون، فكرة جبّارة!

ثم جاء وقت البصمة الثالثة لتفصلنا عن هذا الحديث الشيّق الممتع في «تحضير الأرواح»... فخرجت وأنا في داخلي ابتسامات وضحكات... وصرت أتأمل الممرات والساحات وأنا أبتسم للطلبة الذين صرت أراهم بعد هذا الحوار.

ثم اقترب منّي وقال بصوت خافت وهو يبتسم: اسمع يا صديقي؛ إذا عجزنا أن نغيّر واقعنا بالمنطق، فلا بأس أن نغيّره بالخيال. فخرجنا من المكان بروح متفائلة مطمئنة بمستقبل التعليم، فقلت له: أرجوك؛ دعني «أعزمك» على غذاء افتراضي... فضحك بقوة وقال: لا لا شكراً؛ فقد أكلت من الهوى ما يكفي...

وضحكنا ضحك طفلين معاً، وعدونا فسبقنا ظِلّنا.