«تَطْلُبُ ضَبَّاً وَهَذَا ضَبٌّ بَادٍ رَأسُهُ؟»، ويقال أيضاً: «مُخْرِجٌ رأسَه»، هذا مثل عربي قديم يُضرب في المتنمر الذي يعتدي على البعيد الأضعف ويجبن عن طلب ثأره من القريب الأقوى.
أصل المثل أن رجلين وَتَرا رجلاً، أي اعتديا عليه، وكان كل منهما يسمى ضبّاً، فكان الرجل يتهدَّد النائي عنه، أي البعيد عنه، ويترك القريب منه جُبْناً، فقالوا له: تطلب ضبّاً البعيد عنك، وتترك ضبّاً بادياً رأسُه، أي القريب منك؟
فهو مثل يسخر من المتنمر الجبان الذي يعتدي على البعيد المسالم ويترك القريب القوي المعتدي عليه. مثلنا قد يكون قريباً في المراد منه من المثل القائل: «أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الحَرْبِ نَعَامَةٌ»، و«خَلَا لَكِ الجَوُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي»، و«يَسْتَنْسِرُ البُغَاثُ فِي أَرْضِنَا»، والبغاث هنا هو طائر صغير ضعيف الطيران، ولكنه في غياب الطيور الجارحة يتصرف كأنه نسر قوي.
الله سبحانه قال في محكم كتابه واصفاً الجبناء، والمنافقين: «أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ».
مثلنا «تَطْلُبُ ضَبَّاً وَهَذَا ضَبٌّ بَادٍ رَأسُهُ؟»، ينطبق تماماً على السلوك الإيراني المتنمر الغادر بجيرانه العرب المسالمين، ورغم أنهم لم يطلقوا على إيران طلقة واحدة لكنها لم تكتفِ بعدوانها المباشر على جيرانها، فقد تمادت وأمرت أذرعها وميليشياتها العميلة ليعتدوا وليقتلوا عنها، وجَبنت عن مواجهة السفن الحربية الأميركية الأقرب إليها، الراسية عند سواحلها، المحاصرة لموانئها، التي تقصفها ليلاً ونهاراً.
فكان مثلنا كأنه يتهكم ويسخر منها، فخطاب إيران السياسي مليء بالخطب الرنانة والعنتريات ضد شياطينها المفترضين، أميركا وإسرائيل، ولكنها لم تفرد عضلاتها إلا على جيرانها العرب، إنه الواقع المثير للجدل، فإيران تجبن عن المواجهات الكبرى، وتعتدي على جيرانها حقداً وحسداً مستعرضة شجاعتها عليهم، فانطبق عليها قول الخليفة علي بن أبي طالب، رضي الله عنه وأرضاه، «دَوْلَةُ الأَوْغَادِ تَبْدَأُ بِالاسْتِقْوَاءِ عَلَى الضُّعَفَاءِ»، فهي دولة أوغاد وغدر وعدوان.
ملحوظة مستحقة: تواصل معي الأخ العزيز المؤرخ والشاعر الدكتور خليفة الوقيان، ونبهني إلى أن قائل أبيات الشعر التي وردت في مقالتي «يَا طَبيبُ طِبَّ لنَفْسِكَ»، والتي بدأت بـ: يا أَيُّها الرَجُلُ المُعَلِّمُ غَيرَهُ * هَلا لِنَفسِكَ كانَ ذا التَعليم، لم تكن لأبي الأسود الدؤلي ولا لأبي العتاهية بل للمتوكل الليثي، كما أوضح أن هناك خللاً في أوزان بعض المنقول منها، فشكراً لتنويهه ولملاحظته القيمة.