يبدو أن المتغيرات التي طرأت على المنطقة التي نحن جزء منها قد أتت في المرحلة الحالية لمصلحتنا، وذلك خلافاً لكل التوقعات السابقة والتخوفات الدائمة، وهذه بعض الجوانب والأمور التي شكّلت تغييرات مهمة في منطقتنا:
1- تراجع النفوذ الإيراني، بعد أن كان يتحكم - كما كان يتبجّح دائماً - بأربع عواصم عربية، فقد انتهى وجوده في سورية، وتراجع تأثيره وقدرته في لبنان، وسينكمشان أكثر، وسينحصران بزاوية ضيقة قريباً، وربما ينتهيان، أما في اليمن، فهو في حالة انهيار داخلي وتآكل منطقي، بسبب انسداد آفاق الدعم والتواصل المباشر، وضعف حلقات التواصل غير المباشر، وبانتظار لحظة البتر والانفكاك المطلق، وأما العراق فقد أصبح هو الآخر في حال صراع داخلي بشأن النفوذ الإيراني، ويوماً عن يوم تزداد هوّة النفور العراقي من إيران!
2- إيران... لم تعُد قوتها السياسية ولا قدراتها وإمكاناتها العسكرية مثلما كانت عليه قبل حرب فبراير 2026، وصار وضعها قلقاً إقليمياً ودولياً، وفي حالة ضعف وتراجُع حادّ للنظام المركزي بطهران، وهو ما يعني أن تغييراً داخلياً سيتواكب مع تغييرات العزلة الإقليمية وإملاءات التأثير الدولي بسبب عدائيته للعالم، وشيطنته المباشرة لنفسه التي كشفها سلوكه كنظام في التعامل مع مضيق هرمز ودول الجوار!
3- الكيان الصهيوني اللقيط والمغتصب لأرض فلسطين، دخل مرحلة وهم القوة التي ثبت خواؤها وحالة الهزائم المتوالية منذ 7 أكتوبر وورطته في لبنان، وكذلك بحرب الـ 12 يوماً مع إيران، وحربه الأخيرة معها، فقد انكشف ضعفه وتهاوت قدراته الدفاعية التي برزت في حجم الدمار الذي لحق به وصار هدفاً في متناول يد دول المنطقة، بعد حالة الانكشاف الدفاعي والاستنزاف العسكري، وصيرورته عبئاً ثقيلاً على حلفائه، مثل أميركا وبعض الدول الأوروبية، بل ويعيش حالة بارزة من العزلة الإقليمية والدولية، وقد صاحب كل ذلك حالة تراجُع الثقة بالكيان وقدراته ووعوده للقطاء الشتات الذين كوّن منهم كيانه الهشّ، وما الإفراط باستخدامه القوة ونهج التدمير المبرمج في غزة والضفة ولبنان وتأجيجه للصراع الإقليمي والدولي، وخلقه لما يُسمّى بمناطق أمنية منزوعة السلاح في غزة ولبنان وسورية، إلّا أمارات واضحة على حالة الهزيمة والانكشاف والاستنزاف والعزلة، وفقده الأمان والاستقرار ككيان وكلقطاء.
4- أن دول الخليج، رغم الشدة والمعاناة التي عاشتها منذ مرحلة حرب فبراير بين أميركا وإيران، وما تعرّضت له من اعتداءات وعدوان، ووجودها في وسط بؤرة صراع لا ناقة لها فيها ولا جمل، وتأثيرات ذلك السياسية والأمنية والاقتصادية، وتعديات إيران الغاشمة التي لم تراعِ جواراً ولا ديناً ولا تعايشاً، فإنها تمكّنت من النجاح في التعاطي مع تحديات هذه المرحلة الحساسة، وخرجت منها بقدرة وخبرة ونجاحات عديدة تمكنت من خلالها من أن تكون قادرة على امتصاص تأثيراتها وتداعياتها، بل وبناء مناعة غير مسبوقة للتعامل مع مثل هذه الأحوال على مستوى أنظمتها والدولة ومؤسساتها، والأهم على مستوى شعوبها، وهي ستكون أكثر قوة واستعداداً للتعامل مع هذه الظروف والمتغيرات مستقبلاً، بل قادرة على أن تتحوّل من حالة الصمود والدفاع إلى حالة الردع والرد الحاسم حينما يكون لمثل هذه الأمور لزوم لا بُد منه، بل إنها بدأت تتحلل من تحالفاتها التقليدية، بعد أن تخلّت أميركا عن الحماية المباشرة لها، بل تركتها رهينة لغلق مضيق هرمز وحصار مشدد بسبب الحصار الأميركي، وهو ما زاد الطين بلّة، وفي هذه الأزمة اكتشفت أهمية تحالفاتها الإقليمية وضرورات البناء لقوّتها ومنعتها الذاتية وإلحاح ردعها العسكري والسياسي والاقتصادي، وأن تتصرف باعتبارها كياناً موحداً في جوانب ثلاثة، سياسية وعسكرية واقتصادية، وهو طريقها للقوة والمنعة، لا بارك الله بالضَّعف.