يُعرّف الاقتصاد القياسي Econometrics، ببساطة، على أنه عدد من الأدوات الإحصائية والرياضية لاختبار العلاقات الاقتصادية المختلفة، مثل التحديد الكمّي لدرجة تأثر متغير معين، الاستهلاك العائلي مثلاً، بعدد من المتغيرات التي تُفسر سلوك هذا الاستهلاك، مثل الدخل القابل للإنفاق، وسعر الفائدة، ومعدل التضخم، والثروة، وغيرها. وتم استخدام مفهوم الاقتصاد القياسي أول مرة من قبل البولندي تشيومبا P. Ciompa، عام 1910، وأول من أسس قواعده واستخدمه عملياً هو الاقتصادي النرويجي فريش R. Frisch، عام 1933، وفيما بعد الاقتصادي الهولندي تنبرغن J. Tinbergen، عام 1951، وأول فائز بجائزة نوبل بالاقتصاد، عام 1969.
وما يؤخذ على الاقتصاد القياسي، بعد قرن تقريباً من استخداماته، أن جل اهتمامه قد انصبّ، تاريخياً، على تطوير طرق تقدير واختبار أدوات إحصائية عديدة لقياس مدى الثقة الإحصائية لتفسير عدد من المتغيرات لسلوك متغير آخر، وبالتالي التنبؤ بها مستقبلاً (ومن خلال برامج حاسب آلي جاهزة واسعة الانتشار)، ودون تقدم مماثل في العمل التجريبي حول كيفية عمل الاقتصاد والنظام المالي (وهو المهم لمتخذ القرار).
وكما أشار، بحق، الصديق الراحل د. عماد موسى، في كتابه المعنون «الاقتصاد القياسي كفن للخداع Econometrics as a Con Art، Edward Elgar Publishing. 2017»، أنه عادة ما يُرحب الاقتصاديون القياسيون بالإنجازات من خلال الإشارة إلى (أ) شمول التطبيقات الاقتصادية القياسية لكل مجال تقريباً من مجالات الاقتصاد. (ب) استخدام النماذج الاقتصادية القياسية على نطاق واسع من قبل الوكالات الحكومية والمنظمات الاقتصادية الدولية. (ج) بناء نماذج الاقتصاد القياسي الكلي لكل دولة تقريباً في العالم، على سبيل المثال.
إلا أن أغلب هذه الإنجازات تنطلق من إثبات اعتقاد مسبق أو العثور على نتائج تدعم فرضيات أيديولوجية مسبقة. على سبيل المثال، كان لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي Brexit مؤيدون ومعارضون. وكانت النتائج التطبيقية التي أعدّها المعارضون حول تأثير خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي على الاقتصاد البريطاني متحيزة أيديولوجياً، بشكل واضح.
وفي هذا المجال، قدّر اتحاد الصناعات البريطاني (المؤيد للاتحاد الأوروبي والمعارض لخروج بريطانيا من الاتحاد) صافي الفائدة لبريطانيا من العضوية في الاتحاد بنحو 4 إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما بين 62 و78 مليار جنيه إسترليني سنوياً. وعلى النقيض، يضع كونجدون T. Congdon، من حزب استقلال المملكة المتحدة UKIP (المعارض للعضوية بالاتحاد الأوروبي) تكلفة عضوية بريطانيا في الاتحاد الأوروبي بنسبة 10٪، ويعزو هذه التكلفة إلى التنظيم وسوء تخصيص الموارد.
كما تم استخدام الاقتصاد القياسي لتبرير تطبيق سياسات اقتصادية قاسية، وعلى أساس قناعات فكرية مسبقة، فقد تم استخدامه للدفاع عن عدم المساواة وعن نسبة أعلى 1% (نسبة سكان تستخدم للإشارة إلى الأفراد ذوي أعلى ثروات). بالإضافة إلى استخدامه لتبرير التخفيضات الضريبية على الدخول المرتفعة، ودعم فكرة أن سوء توزيع الدخل أمر طبيعي لإصلاح الاقتصاد، وأن تحسين توزيع الدخل سيتحقق آلياً بعد تطبيق سياسات الإصلاح (من وجهة نظر عدد من الاقتصاديين)، ويطلق على هذه الفكرة أو القناعة سياسة «التقطير أو التسرّب Trickle-down effect»، والتي تُستخدم بهدف إهمال أخذ حالة توزيع بالاعتبار كجزء لا يتجزأ من سياسات الإصلاح. وتم استخدم الاقتصاد القياسي، أيضاً، لدعم لتبرير إلغاء القيود التنظيمية المالية Financial Deregulation الشاملة، وهي التي ساهمت في العديد من الأزمات المالية العالمية، وتدهور الأداء الاقتصادي.
وعند فشل الاقتصاد القياسي في تحقيق النتائج المحددة سلفاً، فقد يجرب أشكالاً وظيفية مختلفة، وهياكل للفجوات الزمنية، وطرق تقدير، وينغمس في التنقيب عن البيانات حتى يتم الحصول على النتائج المرجوة (وهو ما يُمكن أن يوصف بتعذيب البيانات للحصول على الاعتراف الاقتصادي المطلوب، انظر مقالنا المنشور بالجريدة، 17 مايو، 2026). وإذا ما تم إجراء العمل التجريبي لغرض كتابة ورقة أكاديمية فإن الباحث يبحث عن نتائج مثيرة للاهتمام بما يكفي لتبرير النشر أو نتائج تؤكد رأيه.
أما في حالة العلم المُنضبط، الفيزياء مثلاً، فإنه من غير المعقول أن يقوم بالتلاعب بالبيانات للحصول على قراءات تدحض، مثلاً، قانون بويل Boyle’s law (ضغط كتلة معينة من غاز يتناسب عكسياً مع حجمها عند ثبات درجة الحرارة). والآن، هل نجح الاقتصاد القياسي في تحديد المتغيرات المُفسرة لقيمة الناتج المحلي الإجمالي، ومعدلات النمو الحقيقية للاقتصاد الكويتي؟ للإجابة سنقارن قيم الناتج، ومعدلات النمو الفعلية مع قيمها التي تم التنبؤ بها سابقاً، والواردة في عدد من التقارير السنوية التي يصدرها صندوق النقد الدولي للدولة، بالاعتماد على نموذج قياسي يستخدمه الصندوق، وذلك للسنوات 2010 – 2015، أي قبل بدء فترة تقلبات أسعار النفط الشديدة. ويوضح الجدول المرفق الاختلافات الملحوظة بين القيم الفعلية المنشورة من قبل الصندوق، وما تم التنبؤ به لهذه القيم سابقاً من قبل الصندوق أيضاً.
أما آخر تناقضات التنبؤ الخاصة بالاقتصاد الكويتي فهي ما وردت في تقريري ستاندرد آند بورز S&P، وموديز Moody’s بشأن نسبة العجز المتوقعة في موازنة دولة الكويت، 2026-2027، كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، حيث كان الفارق بين التنبؤين 6%، ونفس الشيء بالنسبة للتنبؤ بانكماش الناتج المحلي الإجمالي بفارق 10%، بين الوكالتين، علماً أن كليهما يعتمد في تحديد هذه التنبؤات على نموذج اقتصادي كلي خاص به (أيهما نصدق؟).
ختاماً، إن العودة للتعامل مع الاقتصاد بالشكل الذي يساهم في حل المشاكل الاقتصادية لابد وأن يتضمن الاعتراف بأن الاقتصاد ليس علماً منضبطاً Exact Science بل هو علم متعدد الأبعاد Multidisciplinary، وليس كالفيزياء والكيمياء يخضع لعلاقات رياضية منضبطة. وأن النتائج الاقتصادية للاقتصاد القياسي، كما أشار الاقتصادي الهولندي تنبرغن، المشار إليه أعلاه، يجب أن تُعرض على حكماء ذوي وعي تام بطبيعة، ومحددات عمل الاقتصاد المعني، أو الاقتصاد الدولي، وذلك بهدف التعرف على حدود استخدام هذه النتائج أو رفضها.