تصدر مؤخراً «نظام الطيبات» للدكتور ضياء العوضي حديث المنصات، بفكرته القائمة على الاستماع لإشارات الجسد وتناول ما يستسيغه الإنسان دون قيود صارمة، لكن سرعة انتشاره وحجم التفاعل معه يكشفان أن القضية تجاوزت مجرد نظام غذائي إلى ظاهرة أوسع تتعلق بكيفية تلقي الناس للأفكار والتفاعل معها، فالمسألة لا تتعلق بنظام غذائي بعينه، بل بواقع يتكرر في مجالات متعددة، حيث تزداد جاذبية الطروحات البسيطة والشعارات السريعة، بينما تتراجع مكانة المنهج العلمي والتفكير النقدي، وعندما يصبح الانطباع الشخصي بديلاً عن الدليل، يصبح المجتمع أكثر استعداداً لتقبل الأفكار التي تقدم إجابات سهلة حتى وإن افتقرت إلى الأساس العلمي.

قبل عقود، تحدث المنشق السوفياتي يوري بيزمنوف عن مفهوم أسماه «التخريب الأيديولوجي»، وهو التأثير التدريجي في أفكار المجتمع وقيمه ومعاييره، وكان يرى أن أخطر المعارك ليست تلك التي تُخاض على الأرض، بل تلك التي تُخاض داخل العقول، لأن آثارها لا تظهر إلا بعد سنوات طويلة. وفي محاضراته ومقابلاته خلال ثمانينيات القرن الماضي، تحدث عن مرحلة سماها «التدمير المعنوي»، معتبراً أنها تستغرق ما بين 15 و20 عاماً، وهي المدة الكافية لتنشئة جيل كامل عبر التعليم والثقافة والإعلام. 

وعندما يتشكل هذا الجيل وفق مفاهيم جديدة، فإنه ينقلها إلى الأجيال اللاحقة حتى تصبح جزءاً من الواقع الاجتماعي السائد. أولى النقاط التي ركز عليها كانت الجانب الديني والقيمي، ليس عبر محاربة الدين مباشرة، بل عبر تحويل القيم والمقدسات إلى مادة دائمة للسخرية والتشكيك، حتى يفقد المجتمع مرجعياته الأخلاقية المشتركة، وعندما تضعف المرجعية يصبح الفرد أكثر قابلية لتبني أفكار جديدة مهما كانت متناقضة مع قناعاته السابقة. 

Ad

أما التعليم فرأى أن إضعاف مكانة المعرفة يؤدي إلى تراجع القدرة على التمييز بين العلم والادعاءات الزائفة، واليوم نرى انتشار الخرافات والعلوم غير المثبتة، ومنها الاعتقاد بعلم الأبراج وربط الشخصية أو المستقبل بتاريخ الميلاد، رغم غياب أي أساس علمي يمكن التحقق منه، كما أشار إلى أهمية الأسرة والترابط الاجتماعي بوصفهما الحصن الأول لنقل القيم والخبرات، إلا أن التحولات التقنية المتسارعة جعلت كثيراً من الناس يعيشون في عالم رقمي يمنحهم شعوراً بالتواصل، بينما قد يزيد من عزلتهم في الواقع ويضعف الروابط الإنسانية المباشرة. 

ويبقى السؤال: هل ما نراه اليوم نتيجة مخطط متعمد أم مجرد أثر جانبي للتغيرات التقنية والاجتماعية؟ قد تختلف الإجابات، لكن من الصعب تجاهل أن كثيراً من الظواهر التي تحدث عنها ما زالت حاضرة بأشكال مختلفة. فالعقل لا يُستعمر بالقوة، بل حين يتخلى عن النقد والتمحيص، ويستبدل الدليل بالانطباع والمعرفة بالشعار، لذلك فإن حماية المجتمعات لا تبدأ برفض التغيير، بل ببناء أجيال تمتلك وعياً نقدياً يميز بين العلم والخرافة، وبين الحقيقة والادعاء، لأن ما يُزرع في العقول اليوم هو ما سيصنع ملامح الغد.