تمرّ منطقة الشرق الأوسط اليوم بمنعطف لوجستي بالغ الأهمية، تتشابك فيه خرائط النقل وتتصادم في طور جديد من أطوار التنافس الجغرافي. إنه سباق هادئ في مظهره، مؤثر في تفاصيله، تغيّرت أدواته التقليدية، واستبدلت بها مسارات السكك الحديدية وممرات التجارة الدولية.
وفي هذا الفضاء المتغير، انسلخ أمن النقل عن سياقه الاقتصادي المحدود، ليتداخل بالكلية مع مفهوم الأمن القومي للدول التي استشعرت مبكراً أن صياغة المستقبل ترتبط بامتلاك بدائل مرنة لحركة العبور.
توجُّس المضائق والتوجه نحو البر
عقودٌ طويلة مضت والمنطقة تعتمد في تجارتها بشكل شبه كامل على المضائق البحرية الكلاسيكية، من «هرمز» إلى «باب المندب»، وصولاً إلى قناة السويس. بيد أن هذا الاعتماد، بما يكتنفه من توترات أمنية وهزات سياسية متواترة، تحوّل من مصدر قلق دائم إلى محفز استراتيجي وعامل دفع باتجاه خيارات برية أكثر استقراراً. ومن رحم هذا التوجس، ظهرت جدية التوجه نحو البر عبر إحياء مشروع «سكة حديد الحجاز» التاريخية، بجهد إقليمي تتصدره المملكة العربية السعودية وتركيا، وبإسناد جغرافي من الأردن وسورية، ليكون هذا الخط شرياناً برياً يربط ضفاف الخليج العربي بالعمق الأوروبي.
وفي هذا الفضاء اللوجستي، لا تتحرك الرؤية الخليجية بمعزل عن الواقع، ولكنها تنشد تكاملاً مدروساً ومجدياً اقتصادياً. وهنا تحديداً يُوجب التطلع إلى الدور الذي يمكن أن تؤديه الكويت، وهو ما يدعونا إلى تمنّي أن تؤخذ بعين الاعتبار مسألة إشراك ميناء مبارك الكبير في هذه الاستراتيجية الشاملة، وأن تولي الدولة اهتماماً خاصاً بالميناء من هذه الناحية الحيوية، ليكون ركيزة أساسية في هذا الربط الإقليمي.
هندسة المسار وحسابات الكلفة والأمان
قد يتبادر إلى أذهان المهتمين تساؤل موضوعي: ما الذي يدفع البضائع القادمة من آسيا إلى تفضيل مسارات معيّنة دون غيرها؟ الجواب تفصح عنه حسابات الجغرافيا اللوجستية وحسابات الأمان المستدام. فالداخل العراقي (الذي نتمنى أن يستقر بأسرع وقت) لا يزال يمرّ بتعقيدات داخلية وأمنية تجعل الشركات العالمية الكبرى تتوخى الحذر. وفي المقابل، فإن نقل البضائع برّاً من أقصى جنوب الجزيرة العربية كعُمان إلى شمالها ينطوي على كلفة مرتفعة ومسافات صحراوية شاسعة تتجاوز 2500 كيلومتر.
هنا تكمن القيمة الاقتصادية للمسار العرضي المستقيم والمختصر لميناء مبارك، إذ تنطلق السكة الحديدية منه متجهة غرباً صوب الأراضي السعودية (حفر الباطن والحدود الشمالية)، لتلتحم بقطار الشمال السعودي عند مدينة «الحديثة» على تخوم الأردن، في مسافة وجيزة لا تتعدى 900 كيلومتر. هذا المسار يحقق معادلة واضحة: إبقاء البضائع في البحر - وهو النقل الأقل كلفة عالمياً - لأطول فترة ممكنة، واختصار الشحن البري المكلف إلى أدنى حد، مع ضمان تدفُّق آمن وسريع نحو الشام والعمق التركي، وصولاً إلى أوروبا.
تداعي مشروع «الهند- ميناء حيفا» البديل
هذا التنسيق الإقليمي يفسّر بوضوح حالة الاهتمام المتزايد من أطراف أخرى بمحاولة إيجاد مسارات بديلة. فقد جرى الترويج طويلاً لما يُعرف بـ «محور الهند - حيفا»، بهدف جعل موانئ البحر المتوسط في إسرائيل ممراً إلزامياً يربط تجارة الشرق بالغرب عبر خطوط تمرّ بالمنطقة وتدمج إسرائيل في نسيجها الاقتصادي.
إلّا أن البديل البري العربي - التركي من شأنه أن يقلل من جدوى هذا الطموح. فبدل انحراف القطارات غرباً نحو حيفا، يمضي هذا الخط مستقيماً نحو الشمال عبر الأردن وسورية، وصولاً إلى تركيا فأوروبا برّاً بالكامل، من دون الحاجة إلى عمليات تفريغ في ميناء حيفا ثم شحن بحري ثانٍ. هذا التحول الاستراتيجي يجرّد المشاريع المصطنعة من مبرراتها التنافسية، ويعيد توجيه الحركة التجارية إلى مساراتها الطبيعية.
انسيابية الحركة... بين التجارة
والسياحة البرية
لا تتوقف منافع هذا الشريان الحديدي عند الحسابات السياسية الكبرى، بل تمتد لتلامس قطاع الأعمال وحركة الأسواق. إن اختصار الزمن اللازم لنقل البضائع يمنح التجارة ميزة تنافسية واضحة، متفادياً مخاطر البحار المضطربة وكلفة الشحن الجوي المرتفعة، لتنساب السلع بسلاسة بين أسواق الخليج وأوروبا.
وعلى الصعيد الإنساني والاجتماعي، يفتح الخط آفاقاً جديدة لإعادة إحياء السياحة البرية بأسلوب عصري، حيث ستتحول الرحلة من الخليج إلى إسطنبول ومنها إلى الحواضر الأوروبية إلى تجربة ميسّرة عبر قطارات حديثة وسريعة. سينعم المسافر بمعاينة تضاريس المنطقة المتنوعة، من الكثبان الرملية إلى سواحل الشام وجبال الأناضول، لتتحول السكة من مجرد مسار تجاري جاف إلى جسر ثقافي واجتماعي يربط الشعوب ويسهّل حركة الأفراد في بيئة آمنة.
خاتمة: جغرافيا يصوغها الواقع
إن خريطة النقل في المنطقة تُعاد صياغتها اليوم بناءً على معطيات الواقع الفعلي والجدوى الاقتصادية. وفي الوقت الذي تسعى إسرائيل والهند لفرض ممرات بديلة، تثبت حركة التاريخ أن مسارات هذه المنطقة لا يُكتب لها الدوام والنجاح إلّا إذا بُنيت على أسس جغرافية طبيعية وبأيدي أبنائها وتكامل مشترك بين دولها.
إن إحياء سكة الحجاز، بالتوازي مع الاهتمام الحكومي المأمول بميناء مبارك الكبير ليكون المرتكز البحري لهذا الشريان البري الحيوي، يمثّل الخطوة الأكثر واقعية لحفظ مصالح المنطقة وحماية ثرواتها. واليوم، تملك الكويت فرصة حقيقية للمساهمة في قيادة هذا المشروع التنموي مع شقيقتها السعودية وحليفتها تركيا، ترسيخاً لسيادتها الاقتصادية وبناءً لمستقبل قائم على الازدهار المستدام.
* وزير الصحة الأسبق