الحقيقة التي يرفض الجميع الاعتراف بها أن الحرب انتهت، أو هكذا يريد البعض أن يصدق. لكن الحقيقة أن ما حدث لم يكن نهاية صراع، بل استراحة قصيرة بين جولة وأخرى. فالمنطقة لم تعالج أسباب الانفجار، ولم تُطفأ الحرائق التي أشعلت المشهد، بل جرى فقط تأجيل المواجهة إلى موعد آخر. الواقع اليوم أكثر خطورة مما كان قبل الحرب. الثقة بين الأطراف انهارت، وسباق التسلح يتسارع، والخطابات العدائية أصبحت أكثر حدة، في حين يقف العالم متفرجاً على منطقة تتحول تدريجياً إلى مخزن بارود مفتوح. ما تعلمناه من هذه الحرب أن الدول الصغيرة تدفع دائماً فاتورة معارك لم تشارك في صنعها. ترتفع الأسعار، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الاستثمارات، ويعيش المواطن حالة قلق مستمرة، بينما تُدار المعركة من عواصم بعيدة لا ترى في المنطقة سوى مصالح وقواعد عسكرية وأسواق سلاح. لقد أثبتت الأحداث أن النظام الدولي الذي يتحدث صباحاً عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، يتخلى مساءً عن كل شعاراته عندما تتعارض مع مصالحه. العالم لا تحكمه المبادئ كما يروجون، بل تحكمه موازين القوة والمصالح والنفوذ. والأخطر من ذلك أن مستقبل المنطقة أصبح رهينة قرارات سياسيين متهورين يتعاملون مع الحرب وكأنها لعبة شطرنج. تصريحات متقلبة، وتهديدات يومية، واستعراض للقوة العسكرية، وكأن مصير ملايين البشر مجرد تفصيل ثانوي في معركة النفوذ العالمية. وجود رئيس أميركي متهور ومستعد لإشعال الأزمات من أجل تسجيل انتصار سياسي أو اقتصادي لا يمنح أحداً الشعور بالأمان. فالسياسة الأميركية في السنوات الأخيرة لم تعد تبحث عن الاستقرار بقدر ما تبحث عن إدارة الفوضى واستثمارها. فكلما اشتعلت المنطقة ازدهرت مصانع السلاح، وتدفقت العقود العسكرية، وتعززت الهيمنة السياسية. أما الدرس الأكبر فهو أن الأمن لا يُشترى بالشعارات، ولا يُحمى بالبيانات الدبلوماسية. الأمن الحقيقي يبدأ من الداخل: جبهة وطنية موحدة، واقتصاد قوي، ومؤسسات قادرة على إدارة الأزمات، ورؤية استراتيجية تدرك أن الجغرافيا في هذه المنطقة لا ترحم الضعفاء ولا تمنح أحداً ضمانات دائمة. ولنكن صرحاء: الاعتقاد بأن الحرب انتهت هو نوع من الوهم السياسي. فكل المؤشرات تدل على أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الصراع المفتوح، قد يتغير فيها اسم المعركة ومكانها وأطرافها، لكن جوهر الأزمة سيبقى كما هو. التوتر ما زال قائماً، والملفات العالقة لم تُحل، ومشاريع النفوذ الإقليمي والدولي لم تتراجع خطوة واحدة. لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا بعد الحرب؟ السؤال هو: هل استوعبنا الدرس قبل أن تعود الحرب من جديد؟ لأن التاريخ في هذه المنطقة لا يعيد نفسه فقط، بل يعود في كل مرة أكثر قسوة، وأكثر كلفة، وأكثر قدرة على تدمير أوهام من يعتقد أن الخطر قد انتهى.
مقالات - زوايا ورؤى
ماذا بعد الحرب؟
21-06-2026