لم يكن الثامن والعشرون من فبراير مجرّد يومٍ عابر طوته مفكرة الأيام، بل كان حداً فاصلاً زُلزلت فيه الأرض زلزالها، وخُطَّ بالحديد والنار ليقسم تاريخ المنطقة إلى ضفتين لا تلتقيان: خليجُ ما قبل العاصفة، وخليجُ ما بعدها. وإن أولى حقائق الرهان الماثل، والتي لا تقبل مواربةً ولا تحتمل جدلاً، هي أن هذه الحرب الضروس قد دكّت الحصون التقليدية للمنطقة دكاً، واجتثت البنية الاستراتيجية القديمة للخليج من جذورها، مخلّفةً وراءها واقعاً جيوسياسياً جديداً لَفَظَ المسلمات الغابرة ونبذ الرهانات الساذجة.
ويتبدّى عمق هذا التحوّل في الإغلاق الخانق لمضيق هرمز؛ ذلك الحدث الذي شكّل صدمةً وجودية تجاوزت أبعادها الميدانية المباشرة، لتصيب عمق الشرايين الحيوية للمنطقة في مقتل. وإن احتباس الأنفاس وقطع الأرزاق الذي طال الشعوب قاطبةً - وفي طليعتها الشعوب العربية - لم يكن مجرد أزمة عابرة، بل كان زلزالاً فكرياً أعاد صياغة الوعي الجمعي صياغةً راديكالية.
وإننا اليوم نقف أمام بيئةٍ تحوّلت تحوُّلاً كونياً؛ واقع فرَض على الجميع يقيناً حاسماً بأن عقارب الساعة لن ترتد إلى الوراء، وأن قطار التاريخ قد غادر محطات الطمأنينة القديمة، سواء في ردهات صناعة القرار المثقلة بالحذر، أو في وجدان المواطن والمقيم على حدٍّ سواء.
وإزاء هذا الانقلاب الجذري في طبيعة الصراع، غدا من نافلة القول ان إعادة النظر في المشهد برمّته - دون استثناء أو مواربة - باتت فرض عينٍ استراتيجياً لا يحتمل الإرجاء، فالغد المجهول لا يحمل عوابر صيف، بل ينذر بأخطارٍ داهمة ومصيرية، في زمنٍ تساقطت به الأقنعة وتضاعفت فيه كلفة «الثقة العمياء». لم يعد في قادم الأيام متسعٌ للمجاملات الدبلوماسية الباردة، أو الركون إلى الضمانات الواهية؛ بل إن المرحلة تقتضي فكراً صارماً يفكك الأزمات من جذورها، ويعيد بناء التحالفات من منظور القوة الشاملة والاعتماد المطلق على الذات.
إن التحدي الأكبر الذي يواجه الخليج اليوم، وسط ركام هذه التحولات، هو ذلك الاندفاع العاطفي نحو تفاهماتٍ هشة مع قوى لا تزال تتربص به الدوائر، وتضمر له بأساً غير ما تعلن. إن الصلح مع مَن يترقب سقوطك ليس إلا صلح مهزوز، يحمل في أحشائه بذور فنائه، ولا يثمر في نهاية المطاف إلا خديعةً متجددة وطعنةً مؤجلة؛ صلحٌ كهذا لا ثقة تُبنى عليه، ولا أمان لعقوده ومواثيقه.
إن القادم من الأيام لا يَرحم المترددين، والخليج الجديد - وهو يقف اليوم في عين العاصفة - ليس أمامه من خيارٍ لضمان بقائه سوى أن يصوغ غده بوعيٍّ صارم، وإرادةٍ حاسمة، وعينٍ يقظة لا تذوق النوم.
وأخيراً نتقدم بالتهنئة الخالصة للقيادة الحكيمة المتمثلة ف سمو الأمير، حفظه الله، الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، القائد الأعلى للقوات المسلحة الكويتية، بمناسبة تقليد الدفعة الأولى للعنصر النسائي من حملة الشهادات الجامعية رتبهن الجديدة كضابطات في الجيش الكويتي، ونيلهن الثقة الأميرية الغالية، وإننا ننظر بعين الثقة والاعتزاز والفخر إلى المنظومة العسكرية بكل قطاعاتها التي أثبتت الإخلاص والانضباط وأداء الواجب في أروع صوره، حفظ الله الكويت والخليج من مكر الأعادي.