استغرب كثيرون اختيار باكستان، وهي الدولة النووية الإسلامية الوحيدة، لتكون وسيطاً ينقل رغبة «أميركا النووية» في إجبار إيران على التخلي عن مشروعها النووي غير السلمي. حينها تركزت التساؤلات: كيف تستطيع باكستان النووية أن تقنع إيران بجدوى الرغبة الأميركية بالتخلي عن مشروعها الاستراتيجي لتحقيق أمنها القومي؟ ولماذا يحق لجمهورية باكستان الإسلامية امتلاك قنبلة نووية، ولا يحق لجمهورية إيران الإسلامية أن تمتلك مثلها؟ وكيف اقتنع الغرب بإمكانية نجاح باكستان النووية في إقناع إيران بتنفيذ الطلب الغربي لوقف مشروعها النووي؟ بعد تفكير اقتنعت بمنطقية هذا الاختيار، رغم نجاح سلطنة عمان بهذه المهمة لفترة غير قصيرة من الزمن. 

فباكستان دولة مسلمة مجاورة لإيران وعلاقاتها الدبلوماسية والاقتصادية معها جيدة، تماماً كحال السلطنة، ولكن الفرق أن باكستان نووية. ويبدو أن هذا (عز الطلب) للغرب، وهو المطلوب لمواجهة إيران المزعجة لجيرانها، فباكستان لم تكن مصدر تهديد للمصالح الغربية منذ تأسيسها عام 1947، على عكس إيران التي باتت مصدر تهديد للمصالح الغربية ودول الخليج العربية، الأمر الذي أدخل المنطقة في حالة من عدم الاستقرار. فالغرب لم يتدخل (كثيراً) بالمشروع النووي الباكستاني، لأنه لم يكن، ولم يزل كذلك، تهديداً للمصالح الغربية، كما أن باكستان دخلت في حروب عديدة مع الهند منذ أكثر من 80 سنة ولم تمتلك القنبلة النووية إلّا بعد أن امتلكت الهند لهذه القنبلة. حتى وإن كانت باكستان قد بدأت برنامجها النووي لأسباب استراتيجية تتعلق بموازنة القوة مع الهند، إلا أن تركيز الباكستانيين، في تلك الحقبة، ومازال كذلك، كان على الاستخدامات المدنية للطاقة النووية والبحث العلمي. الأهم في الموضوع النووي أن باكستان بدأت التخطيط لمشروعها النووي في السر، وحصلت على تمويل خارجي في السر أيضاً، ولم تعلن أي تفاصيل لمشروعها النووي على الملأ، بعكس ما فعلت إيران. 

إيران في زمن الشاه كان يطلق عليها «شرطي الخليج»، ولكنها لم تكن تتدخل بشؤون دول الخليج العربية بشكل سافر ومزعج لتهديد استقرار دول المنطقة كما تتدخل جمهورية إيران الإسلامية اليوم. 

Ad

 الأسوأ من هذا كله أن النظام الإيراني أعلن مشروعه بتصدير الثورة إلى الدول المجاورة منذ الايام الأولى لقيام الثورة، وكأنه كان إقراراً صريحاً بالتدخل في شؤونها. وهذا تم قبل الشروع في مشروعها النووي، ثم عند منتصف الطريق نحو تحقيق مشروعها النووي كانت إيران قد انتهت من إنشاء أذرعها وخلاياها الإرهابية في معظم دول المنطقة، وهذا ما لم تفعله باكستان، التي بادرت لتكون السند العسكري لهذه الدول. كما أنه من الضروري الإشارة إلى أن باكستان لم تتدخل في شؤون الدول المجاورة لها كالهند والصين وأفغانستان وإيران تحديداً، التي لديها أذرع في العراق ولبنان وسورية واليمن، وعمل النظام الإيراني، ومازال يعمل، على إدخال هذه الدول في نزاعات وقلاقل تضررت منه مصالح هذه الدول. يبدو أن القيادة الإيرانية ترى في نفسها أنها «سيدة الإقليم»، التي ترى أن من واجبها القومي السيطرة على دول المنطقة، وهذا ما ينفر الجميع منها. كما أعتقد أنه لو كانت إيران التزمت الصمت دون إعلان نواياها النووية ولم تتدخل في شؤون الدول المجاورة، ولم تهدد أمن المنطقة واستقرارها، لحققت أمنها القومي والاستراتيجي بسهولة. وأعتقد شخصياً أنه لو أحسنت إيران نواياها لوجدت الدول الخليجية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، خير معين للمشاركة في مشاريع إيران التنموية، كغيرها من دول العالم التي تقوم دول الخليج بدعمها مادياً وسياسياً.