نجاح الوساطة الباكستانية - القطرية في التوصل إلى تسوية توافق عليها الطرفان الأميركي والإيراني لا يعني زوال تداعيات هذه الأزمة، التي قد تستمر فترات طويلة على مسارات التنمية الاقتصادية.
فتح الممر أمام الملاحة البحرية في الخليج العربي لا يعني نهاية المطاف، فتبعات الإغلاق ستكون أشد وطأة من جائحة كورونا على الاقتصاد والتجارة العالمية، بعدما تأثّرت معظم القطاعات الصناعية والتجارية في هذه الحرب، مما اضطر الشركات إلى اتخاذ قرارات استثنائية لتفادي حجم الخسائر المالية، ومنها تسريح مئات الآلاف من الموظفين وتخفيض الرواتب وتقليص الإنتاج. تبعات إغلاق المضيق أثّرت أيضاً بشكل مباشر على الدول المنتجة للنفط والغاز في منطقة الخليج العربي، وتسببت في تحوُّل كبار المستوردين إلى خيارات وبدائل أخرى، فضلاً عن سياسة الإغلاق وتخفيض الإنتاج التي اتخذتها بعض دول الخليج، والتي أدت إلى خروج العديد من الآبار من الخدمة، وفي أحسن الظروف تحتاج إلى الكثير من الوقت والمال لاستعادة قدرتها الإنتاجية التي كانت عليها قبل اندلاع الحرب.
ما حدث يدعونا إلى التفكير بأكثر من اتجاه، وهنا لا يقتصر الحديث على البحث عن مسارات أخرى لتصدير النفط، بل في التفكير بشكل لا يضعنا تحت هذا الوضع مرة أخرى.
الرئيس ترامب تعامل مع إيران بأوراق مفتوحة، بعد إعلانه الانتصار العسكري الشامل، حيث استخدم ورقة الحصار الاقتصادي لإخضاعها للقبول بشروطه، كما يزعم، لكنّ الحقيقة أن إيران لم تكن الدولة الوحيدة التي عانت هذا الحصار الاقتصادي.
هذه الحرب تكشفت عنها أمور عديدة، وإن مَن يملك القوة يستطيع التعامل مع هذه الأزمة وتجاوزها، فما جرى خلال الفترة الماضية ومنذ اندلاع الحرب، وبالنظر إلى تعاطي الجانبين الأميركي والإيراني، يتطلب ذلك تفعيل مفهوم إدارة الأزمات بكل جوانبها، لا سيما في شقيها الاقتصادي والدبلوماسي.
إغلاق مضيق هرمز أوجد حاجة ماسّة ليس في التفكير بالردع العسكري، بل إلى مراجعة الملف الاقتصادي، فالأضرار لم تقتصر على تصدير النفط فحسب، لذلك أصبح من الضرورة التفكير في تعظيم الدور الاقتصادي السياسي على المستويين المحلي والعالمي.
اليوم برزت أهمية النقل البري وضرورة الإسراع في تنفيذ مشروع السكك الحديدية، وضرورة جذب أكبر قدر من الاستثمارات العالمية إلى السوق المحلي الكويتي، وتعظيم دور القطاع الزراعي والعقاري والصناعي، والعمل على زيادة الاستثمارات في القطاعات الاقتصادية الواعدة.
هذا النمط التفاعلي في إدارة مرحلة التعافي يجب ألّا يغيب عن نظر متخذ القرار، وألّا يخرج عن السياقات الواقعية، والعمل على سرعة التنفيذ المشاريع الحيوية والتموينية، فعلى سبيل المثال: 1- عدم المساس بصندوق الأجيال القادمة واحتياطياته، واقتصار استخدامه على عوائده لتخفيف الضغط عن الميزانية. 2- ترشيد الإنفاق العام، وتسريع وتيرة تنفيذ «رؤية الكويت 2035». 3- تحفيز القطاع الخاص وجذب الاستثمارات من خلال تبسيط الإجراءات وتحسين البيئة التنظيمية وزيادة الشراكات بين القطاعين العام والخاص في مشاريع البنية التحتية. 4- تنفيذ مشاريع خطوط أنابيب مشتركة بدول الخليج لتصدير النفط والغاز عبر منافذ بديلة وتوحيد الجهود لتأمين سلاسل الإمداد والتبادل التجاري، واعتماد أنظمة الدفع والتجارة الإلكترونية الموحدة، والتحول الرقمي والاستثمار فيه.
هذه الإجراءات المتكاملة تشكّل شبكة أمان اقتصادي ومالي وحماية للكويت في مواجهة المخاطر الجيوسياسية الحالية المستقبلية.
ودمتم سالمين.