قد يبدو العنوان متناقضاً وصادماً للوهلة الأولى، فمنذ متى كان السلام تهديداً؟ وكيف يمكن أن تخشى دولة توقف الحرب أكثر من استمرارها؟ لكن هذا تحديداً ما يواجهه النظام الإيراني اليوم؛ فالحرب، بكل ما تحمله من دمار وخسائر، كانت قادرة على تأجيل الأسئلة الصعبة، وتوحيد الداخل خلف شعارات المواجهة، وتبرير الإخفاقات الاقتصادية تحت لافتة «العدوان الخارجي»، أما السلام، ولو كان مؤقتاً أو هشاً، فإنه يعيد تلك الأسئلة إلى الواجهة بلا مواربة.

المعروف أنه خلال فترات الحروب، تظهر معادن الشعوب، فتلتف حول أوطانها بدافع الخوف والقلق على المصير المشترك، وإيران ليست استثناءً من هذه القاعدة، فقد فرضت الحرب حالة مؤقتة من التماسك الداخلي، ليس إيماناً بنظام لا يعرف من الحرية إلا التضييق، ولا من السياسة إلا التدخل في شؤون الدول الأخرى، بل انطلاقاً من أولوية مواجهة الخطر الخارجي.

غير أن هذه الحالة لا يمكن أن تستمر إلى الأبد، لأن ما يرجأ في وقت الحرب يعود مضاعفاً في زمن الهدوء، فاليوم، وبغض النظر عن تفاصيل التفاهمات الخفية بين واشنطن وطهران، وبصرف النظر عن شكل السلام القائم أو مدته، فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن إيران تدخل مرحلة مختلفة، مرحلة لا تكفي فيها خطابات الصمود لتفسير تراجع مستوى المعيشة، وارتفاع معدلات التضخم وحالات الفقر، وتآكل القدرة الشرائية للعملة الإيرانية.

Ad

قبل الحرب، كان الإيراني يرزح تحت وطأة تضخم مزمن، وعملة فقدت كثيراً من قيمتها، وفرص عمل غير متوافرة، وعقوبات اقتصادية أثقلت كاهل المجتمع، وخلال الحرب ازداد الضغط على الاقتصاد، وتعمقت معاناة الطبقة الوسطى، واتسعت دائرة الفقر، واستمرت موارد طهران في التآكل والاستنزاف.

لقد دفع الشعب الإيراني ثمناً باهظاً لسياسات لم يكن طرفاً فيها، دفعه من مستوى معيشته، ومن استقرار اقتصاده، ومن أحلام شبابه، الذين بات كثير منهم يبحثون عن فرص عمل خارج حدود وطنهم، في وقت تملك إيران من الموارد الطبيعية والثروات البشرية ما يؤهلها لتكون واحدة من أكثر دول المنطقة ازدهاراً، لكن قدر الشعب أن يكون ضحية نظام يستنزف أمواله في مشاريع النفوذ الإقليمية، والحروب بالوكالة، والتدخل في شؤون الآخرين.

والحقيقة التي ينبغي أن يدركها صانع القرار في طهران هي أن السلام ليس طوق نجاة له، وليس فرصة لإعادة إنتاج سياساته ذاتها بأدوات مختلفة، فالسلام الحقيقي يبدأ من الداخل، عبر إعادة توجيه البوصلة نحو المواطن الإيراني، وجعل رفاهيته وأمنه الاقتصادي أولوية تقدم على حسابات النفوذ وتصدير الأزمات.

من هنا يبدأ السلام، فلا تحتفلوا بـ «التفاهم» والمواطن الإيراني يحرم من ثروات بلاده التي تستهلك خارج حدوده، ويقف الناس في طوابير الغلاء، ويواجه الشباب مستقبلاً يزداد ضبابية يوماً بعد آخر.

إن التحدي الأكبر الذي يواجه إيران اليوم ليس وقف إطلاق النار ورفع العقوبات، بل ما بعدهما، فإما أن يكون السلام بداية مراجعة شجاعة تعيد الاعتبار للتنمية، وحسن الجوار، وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى، ووقف الحروب بالوكالة، وإما أن يتحول إلى أزمة داخلية كبرى، سيدفع الجميع كلفتها.

ولعل ما يزيد المشهد تعقيداً، ذلك التباين الذي برز داخل إيران نفسها، بعدما أبدى المرشد الأعلى مجتبى خامنئي تحفظه بشأن هذا التفاهم، في حين تعهد الرئيس مسعود بزشكيان بألا تخضع بلاده لأي شروط لا تتفق مع مصلحتها الوطنية، بما يعكس حجم الحذر الذي يحيط بهذا المسار، وحدود الثقة في مآلاته.

أخيراً، إذا كانت إيران تحت تهديد السلام، فإن دولاً عديدة تقف اليوم تحت تهديد هشاشة هذا السلام نفسه، سلام يستند إلى مذكرة تفسر بنودها وفق اتجاهات الرياح السياسية، ويعتمد احترامها على درجة عالية من انعدام الثقة بين أطرافها، فهل نحن أمام بداية استقرار حقيقي أم مجرد هدنة تؤجل الانفجار إلى موعد آخر؟