نسير في طرقات مدننا وشوارعها، وساحاتها الثقافية، وندخل المقاهي الممتدة على طول سواحلها، فنرى اليوم جيلاً يتنفس اللوائح الرقمية، ويلاحق خوارزميات النجاح السريع، محاصرين بمعايير وهمية تفرضها شاشة زجاجية صغيرة، ويسعى لثراء خاطف يُعرض في ثوانٍ، ولشهرة تصنعها الصدفة، وتُقاس بعدد المشاهدات، ومظاهر براقة تُشعر من لا يجاريها بأنه «متأخر» عن ركب الحياة، أو أنه بلا قيمة.
لكن، دعونا نتوقف قليلاً لنطرح هذا السؤال الصادق والعميق، لو اختفت هذه الشاشات فجأة، وغابت أضواء «الترند» الزائفة... من ستكون؟ وماذا سيتبقى من إنجازك على أرض الواقع؟
إن الإنجاز الحقيقي الواقعي ليس «لقطة» سريعة ومبهرة توثقها عدسة الكاميرا في جوالك لتنال إعجاباً عابراً، بل هو الأثر المستدام والعميق الذي تتركه خلفك في مجتمعك حين تغلق هاتفك وتواجه حقيقتك، فلقد حان الوقت ليكون لشبابنا موقف حازم وصريح، وموقف شجاع يعيد تعريف النجاح بعيداً عن ضغط «السوشيال ميديا» وعقدة المقارنات المستمرة، فلا يمكن لثقافة المظاهر أن تبني الأوطان، وتطور مؤسساتها، وتحقق نهضتها إلا أن يكون ذلك على أساس يقوم على العقول التي تفكر، والأيدي التي تنتج، والمهارات الحقيقية التي تصمد أمام اختبار الزمن والتحديات.
فنحن نريد لشبابنا اليوم أن يكون نجاحهم مرادفاً وموازياً لبصمتهم خلف الشاشات وفي ميادين العطاء، فالنجاح الحقيقي هو ذلك المشروع المبتكر الذي يحل مشكلة فعلية في مجتمعك، وهو تلك المهارة الإدارية أو التقنية الصعبة التي قضيت الليالي الطوال لتتقنها وتتميز بها، وهو ذلك الوعي الفكري والعمق الإنساني الذي يجعلك مرجعاً ملهماً في محيطك الفعلي والمهني قبل الافتراضي.
إن قوة الشباب تكمن في قدرته على فك الارتباط بين قيمته الذاتية وعدد الإعجابات، وعندما نتحرر من هذا الهوس الرقمي، سنكتشف أننا نمتلك طاقات جبارة قادرة على التغيير الإداري، والريادة الاقتصادية، والقيادة الواعية.
فيا صديقي الشاب، فلتكن الشاشة أداة ذكية لنشر أثرك، لا أصلاً لوجودك أو مقياساً لتقدير ذاتك، واصنع مجدك الحقيقي في قاعات الواقعية، وفي أروقة العمل الفعلي، وفي تفاصيل المبادرات المخلصة التي تخدم وطنك وأمتك، واجعل إنجازك عميقاً، وله جذور راسخة في الأرض... حتى إذا انطفأت الشاشات يوماً تظل أنت مضيئاً بأفعالك الحقيقية.