يشهد الفضاء الافتراضي هذه الأيام معركة حامية الوطيس لا تُستخدم فيها الطائرات المسيرة، بل تُستدعى فيها الروايات التاريخية لحسم خلاف استراتيجي خطير يمس مستقبل الأجيال القادمة، وهو لماذا سميت منطقة الفروانية بهذا الاسم «وهي نسبة إلى شخصية تاريخية عاشت فيها»؟ ولماذا لا نعود إلى المسمى القديم «الدوغة» من وجهة نظر فئة أخرى؟! 

بات هذا الجدل الفكري العقيم يتصدر الاهتمامات ويشغل العقول في وقت تمر البلاد بتحولات سياسية واقتصادية واجتماعية خطيرة، تتطلب أعلى درجات التركيز والعمل الجاد لبناء المستقبل. المفارقة المضحكة المبكية تكمن في قدرة البعض على العثور على «ضالتهم» في معارك مجانية لا تكلف ثمناً سياسياً ولا تتطلب تقديم حلول واقعية للأزمات، بل تمنح صاحبها شعوراً زائفاً بالبطولة التاريخية بمجرد الدفاع عن اسم منطقة، واللافت في هذه الحرب الكلامية حول «الفروانية والدوغة» أنها نجحت في إنتاج فصيل جديد من العنصرية والمناطقية لم نعهده على الساحة من قبل، وكأن السوق الافتراضي بحاجة دائماً إلى «موديلات» حديثة من الفرز الاجتماعي لضمان عدم شعور المواطنين بالملل من الأنماط التقليدية القديمة.

إن هذا التنويع الطريف في أسباب الخلاف يثبت أننا نملك طاقة فائقة في هدر الوقت والجهد في قضايا هامشية، بينما تظل القضايا المصيرية معطلة، ويبدو أن شعار المرحلة لدى رواد التواصل الاجتماعي أصبح «التنويع في أصناف العنصرية حتى لا يمل الكويتيون»، وهو أمر يدعو إلى السخرية بقدر ما يدعو إلى الأسف على أولويات تضيع وسط زحام الهويات الضيقة والجدل العقيم الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، وهو ما يتطلب الترفع عن هذه الصغائر والالتفات إلى ما يخدم مصلحة الوطن الحقيقية.

Ad