لم يصدّق المواطن «كاف» يوماً نجاح مصنعه للأصابع الصناعية، ولم يخطر بباله أبداً أن ينتهي به المطاف جالساً خلف مكتبٍ أكبر منه بثلاث مرات، تعلوه لوحة منقوشٌ عليها بخطٍّ كوفيّ عريض: مدير. إلا أن «كاف» كان قد عاش أخيراً سلسلة من الأحداث شديدة الغرابة... سنحاول إيجازها لكم هنا.
فبعد أن عرض عليه مديره - ساخراً - مكافأته بقسيمة صناعية بعد خطابه المستوحى من خطب الحجاج، تلقّى «كاف» اتصالاً من العميل المزدوج النتن، شلومو، ودار بينهما الحوار التالي:
شلومو: فتّشت عن رقمي في هاتفك؟
كـــاف: لا أريد محادثتك... أنت سارق فؤادي.
شلومو: ما عليك، فؤادك في نعيم.
كــاف: أبي أسوّي مصنع.
شلومو: تبي تبيع أصابع صناعية، ها؟
كــــاف: كيف عرفت؟
شلومو: يبيلك سوق يا «كاف»، يبيلك تخلق طلب.
كـــاف: وكيف أخلق الطلب؟
شلومو: اعترف أنك تريد استشارة عمّك شلومو...
سكت «كاف» طويلاً، ثم قال:
أعترف أني أريد استشارتك.
شلومو: عيد السؤال وقلْ: عمي.
كــــاف: كيف أخلق طلبا على الأصابع الصناعية... عمي؟
فانفجر شلومو ضاحكاً، ثم قال: راح نعلّمك، بس لازم يكون قلبك قوي.
كــــاف: قلبي وطني، ووطني قوي.
شلومو: تقصّ أصابع الناس.
كـــــاف: نعم؟
شلومو: الليلة تقصّ أصابع أمك.
كـــــاف: أمي؟
شلومو: وهي نايمة.
كــــاف: يا إلهي!
شلومو: بتصير تاجر أصابع صناعية والّا طاف؟
كــــاف: أنا «كاف»، مو طاف.
شلومو: هذا عهدنا فيك.
كـــــاف: وتالي؟
شلومو: كل ليلة تقطع أصابع عشرة من الفريج.
كــــاف: هذه جريمة!
شلومو: الضرورات تبيح ماذا يا «كاف»؟
كــــاف: المحظورات.
شلومو: شاطر.
كـــــاف: بس ما عندي مقص ولا منشار، وما عندي لباس أتنكّر به.
شلومو: لحظة... في وحدة تبي تكلمك.
وهنا أعطى العميل النتن شلومو الهاتف إلى حبيبة «كاف» السابقة، الدكتورة «كافه»، المتربية الفاهمة، فقالت:
كــــافة: «كاف»، هبيبي، ألقاك بالجمعية يا أُومري؟
كـــــاف: ليش عربيتك غريبة؟
كـــافة: لا مو غريبة، بس شلومو يهب جذييييه... هيهيهه!
في اليوم التالي، ذهب «كاف» - كعادته - لمراجعة مديره في الحملة الوطنية «طفح الكيل»، ودار بينهما الحوار التالي:
المدير: اقعد يا «كاف».
كــــاف: قعدت. آمر.
المدير: سمعت أن عندك شريك أجنبي واصل.
كـــــاف: واصل وين؟
المدير: عموماً، مصنعك جاهز.
كـــــاف: ما أصدق!
المدير: وتمويلك جاهز.
كــــاف: قول والله!
المدير: تحطّ نص الشركة باسم زوجتي -
كــــاف: منو زوجتك؟
المدير: المدام.
كــــاف: والنص الثاني؟
المدير: باسم شلومو.
كــــاف: وأنا شَبقالي؟
المدير: أنت مدير، ولك نسبة من المبيعات.
كــــاف: موافق.
وهكذا أصبح «كاف» يجلس خلف مكتب أكبر منه بثلاث مرات، يُصدِّر أصابع صناعية لكل بيت، وأحياناً ينام على سطح المكتب نهاراً، نتيجة شدّة انشغاله ليلاً مع السكاكين والمناشير واللباس التنكّري... إلخ إلخ إلخ إلخ... في بلادٍ بات ما يعيشه «كاف» فيها من عبثٍ... غيضاً من فيض.