اختار الفنان التشكيلي السوري إسماعيل الرفاعي عنوان «مراكب» لمعرضه الذي أقامه أخيرا بدولة الإمارات، ليعبّر من خلاله عمّا يجيش بصدره تجاه الأحداث العاصفة التي يشهدها العالم العربي، راسما بريشته طوق النجاة للبشر، ومستلهما صورة المركب القابعة أمام مرسمه منذ سنوات لينفذ لوحات معرضه.
وفي تصريحات خاصة لـ «الجريدة»، قال إن تناول ثيمة المراكب جاء تلبيةً لحاجة تشكيلية وتعبيرية بالدرجة الأولى، فمشهد المراكب الماثل أمام مرسمي، والذي اعتدت رؤيته بصورة شبه يومية على مدار سنوات طويلة، كان على الدوام يدفعني للاشتغال عليه، حتى حانت اللحظة التي استطعت فيها استدراج تلك المراكب إلى القماشة البيضاء.
وقد حاولت عبر تلك المقاربة رصد الدلالات التي يمكن أن يمثّلها مفهوم «المركب» بحد ذاته، والتي تنطلق من معاينة بنيته الشكلانية، وصولاً إلى تجسيد مكوّناته الجوهرية، وتعبيراته المجازية، وبالتالي كانت التجربة بمنزلة انزياح في شكل الصورة لمصلحة قوتها الدلالية. من جهة أخرى يحمل «المركب» في حدّ ذاته الكثير من الدلالات التي يمكن الاستغراق بتأمّلها وإيجاد الروابط العميقة معها، سواء على المستوى الشخصي أو اليومي أو الميثولوجي، والذي كان منذ أوّل الخليقة يمثّل طوق النجاة للبشرية جمعاء.
وأضاف أن «جميع المعارض التي أقمتها، أو المراحل الفنية التي اشتغلت عليها، تشكّل امتداداً لبعضها البعض، ذلك أنها تمثّل انعكاساً للهواجس الجمالية والتحولات الداخلية التي مررت بها على امتداد مسيرتي الفنية، فهي، في جوهرها، محاولة مستمرة لإيجاد صيغ بصرية وتشكيلية يمكن أن تمثّل إضافة نوعية على منجزي الفني من جهة، وتكون قادرة في الوقت نفسه على التقاط الرهافات والجماليات التي تمنح العمل الفني خصوصيته وفرادته، وربما لهذا السبب تبدو هذه المعارض، رغم اختلاف موضوعاتها واشتغالاتها البصرية، وكأنها تنتمي إلى نسيج واحد، أو إلى مشروع يتنامى ويتوسّع باستمرار، من دون أن ينقطع عن جذوره الأولى».
روافد الكويت
وحول رؤيته لطبيعة الواقع الثقافي الراهن الذي تحفل به دولة الكويت، قال إن دولة الكويت شكّلت بالنسبة لي أحد أهم الروافد الثقافية التي نهلتُ منها في بدايات تشكّلي المعرفي، بدءاً من الإصدارات المهمة، مثل مجلة العربي وعالم المعرفة، وغيرها من المشاريع الثقافية التي أدّت دوراً حاسماً في التعريف بالثقافة العربية والعالمية، وفي إقامة جسور معرفية عميقة مع القارئ العربي. ولا شك في أن لدولة الكويت دوراً بارزاً ومؤثراً في المشهد الثقافي العربي، سواء على مستوى النشر، أو دعم الفنون والآداب، أو احتضان الطاقات الإبداعية.
كما أن لديّ العديد من الأصدقاء المبدعين الكويتيين الذين أعتز بصداقتهم ومُنجزهم الإبداعي، ويأتي في مقدمتهم النحات الكبير سامي محمد، والقاص والروائي طالب الرفاعي، وغيرهم الكثير من القامات الثقافية والفنية البارزة، ممن أسهموا في ترسيخ حضور الثقافة الكويتية عربياً ودولياً.
مشروع إبداعي
وحول مشروعه الإبداعي والفني قال: الفن عصيّ على الإحاطة به، واللوحة الحلم عصيّة على الإمساك بها، فالمخيلة على الدوام أكثر اتساعاً من تمثيلاتها الممكنة. لذلك، فإن تلك المسافة اللائبة بين الوجهة والمآل، تظل هي الأكثر إغواءً وجمالاً، لأنها تُبقي الفنان في حالة بحث دائم، وتدفعه إلى مواصلة الاكتشاف والتجريب والانخطاف إلى ما هو أبعد من المنجز ذاته.
ولعلّ الفن، بهذا المعنى، هو العامل الأكثر قدرة على تحفيز نمونا الداخلي، وتوسيع مخيلتنا، والانكشاف على عوالمنا المتوارية. إننا نطأ، بين وقت وآخر، بعض أراضي الفن السحرية، ويتكشّف لنا، بين عمل وآخر، شيء من تجليات الروح العامرة.
وعن تجربة بيت عبيد الشامسي بالشارقة قال: يضم مجموعة مراسم لفنانين ينتمون إلى جنسيات وتجارب مختلفة، وكان بالنسبة لي أكثر من مجرّد مكان منحني مرسماً حوالي 13 عاماً.. إنه فضاء روحي وثقافي شديد الخصوصية، ومكان تتجاور فيه الذاكرة مع الفن، والتاريخ مع الحياة اليومية.
فمنذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها هذا البيت، شعرت بأن ثمّة ألفة عميقة تربطني به، وكأن الجدران القديمة، وما تختزنه من أثر وزمن وحكايات، كانت تمنحني شعوراً نادراً بالطمأنينة والانتماء، واحتضن هذا المكان جزءاً مهماً من تجربتي الفنية والإنسانية، وشهد تحولات كثيرة في مشروعي التشكيلي، كما أتاح لي فرصة اللقاء والتفاعل مع عدد كبير من الفنانين والكتّاب والمثقفين من مختلف أنحاء العالم. وربما تكمن خصوصيته أيضاً في قدرته على أن يبقى حياً ومفتوحاً على الحوار والتأمل والاكتشاف، لا بوصفه مكاناً جامداً، بل بوصفه كائناً نابضاً بالروح والذاكرة.
الرفاعي فى سطور
إسماعيل الرفاعي، فنان تشكيلي وكاتب، مواليد سورية عام 1967. حاصل على بكالوريوس فنون جميلة، جامعة دمشق. تتضمن مشاركاته العديد من المعارض الفردية والجماعية عربياً ودولياً، إلى جانب مشاركاته في البيناليهات والتظاهرات الدولية.
نال الرفاعي العديد من الجوائز الفنية والأدبية، مثل جائزة دبي الثقافية، والجائزة الأولى في المعرض السنوي لجمعية الإمارات للفنون التشكيلية، وجائزة الشارقة للإبداع العربي عن رواية أدراج الطين، وجائزة نقيب الفنون الجميلة - سورية. أصدر أخيرا مجموعة شعرية بعنوان «وعد على شفة مغلقة».