قبل سنوات، كان من النادر أن نسمع عن طفل يعاني من ارتفاع ضغط الدم أو السكري من النوع الثاني. كانت هذه الأمراض ترتبط غالباً بمنتصف العمر وما بعده، أما اليوم فقد بدأ المشهد يتغير بصورة تستحق منا الوقوف والتأمل.

في العيادة، لم يعد مستغرباً أن ترى طفلاً في العاشرة من عمره يقترب وزنه من 80 كيلوغراماً، ولم يعد غريباً أن يحتاج مراهق في الثالثة عشرة إلى علاج ومتابعة بسبب ارتفاع واضح في ضغط الدم، كما أصبحنا نشاهد فتياناً وفتيات في أعمار مبكرة يعانون من مرض السكري من النوع الثاني ومضاعفاته، وهو مرض كان يُنظر إليه لسنوات طويلة على أنه من أمراض البالغين.

هذه الحالات ليست أرقاماً في ملفات طبية، بل قصص حقيقية لأبناء وبنات ما زالوا في مقتبل العمر. وهي ليست دعوة للوم الأطفال أو أسرهم، وإنما دعوة صادقة للتفكير في نمط الحياة الذي أصبح يحيط بأبنائنا اليوم.

Ad

لقد تغيرت تفاصيل الحياة اليومية بشكل كبير. فالحركة أصبحت أقل، والشاشات أصبحت حاضرة في معظم ساعات اليوم، والوجبات السريعة والمشروبات عالية السعرات أصبحت جزءاً متكرراً من حياة كثير من الأطفال. يضاف إلى ذلك عادة السهر التي أصبحت لدى البعض أمراً طبيعياً، رغم أنها ليست كذلك.

والمقلق أن السهر لم يعد مرتبطاً بالدراسة أو بظروف استثنائية، بل أصبح في كثير من الأحيان عادة يومية تستمر حتى ساعات متأخرة من الليل دون حاجة حقيقية. ومع الوقت، يتحول نقص النوم إلى عبء صحي يؤثر في النمو والتركيز والمزاج والأداء الدراسي، كما يسهم في زيادة الوزن واضطراب التمثيل الغذائي وارتفاع احتمالية الإصابة بعدد من الأمراض المزمنة.

والحقيقة أن السمنة ليست مجرد زيادة في الوزن أو قضية تتعلق بالشكل الخارجي، بل هي حالة صحية قد تفتح الباب أمام سلسلة من المشكلات الطبية التي كنا نراها سابقاً في أعمار أكبر بكثير، وما يثير القلق أن بعض أطفال اليوم قد يقضون سنوات طويلة من حياتهم وهم يحملون عوامل خطر كان يفترض أن تبدأ بعد عقود.

وفي المقابل، فإن الوقاية لا تحتاج دائماً إلى حلول معقدة، فالنشاط البدني المنتظم، وتقليل الوقت أمام الشاشات، وتحسين جودة الغذاء، والالتزام بنوم كافٍ ومنتظم، كلها خطوات بسيطة في ظاهرها، لكنها تصنع فرقاً كبيراً في صحة الأبناء ومستقبلهم.

إن أطفالنا لا يحتاجون إلى حياة مثالية، بل يحتاجون إلى بيئة تساعدهم على تبني عادات صحية منذ الصغر، فالعادة التي تُبنى في الطفولة كثيراً ما ترافق الإنسان طوال حياته، سواء كانت عادة نافعة أو ضارة.

ومن واقع الممارسة الطبية، فإن أكثر ما يبعث على القلق ليس رؤية المرض بحد ذاته، بل رؤية المرض عندما يأتي مبكراً، فكلما بدأ المرض في عمر أصغر طالت رحلة التعايش معه وازدادت آثاره على جودة الحياة مستقبلاً.

لذلك فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على علاج المرض عندما يظهر، بل تمتد إلى بناء نمط حياة يحمي أبناءنا قبل أن يحتاجوا إلى العلاج، فأطفالنا يستحقون أن يعيشوا طفولتهم أطفالاً، وأن ينشغلوا بأحلامهم ومستقبلهم، لا بأدوية ضغط الدم أو مضاعفات السكري، وهذه مسؤولية مشتركة تبدأ من البيت، وتدعمها المدرسة، ويشارك فيها المجتمع بأكمله.

* رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة 

وجراحة الرأس والرقبة، معهد الكويت للتخصصات الطبية،

وزارة الصحة.

قسم الأبحاث، معهد دسمان للسكري، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.