في ظل اتفاق وقف الحرب بين أميركا وإيران، دخلت المنطقة مرحلة جديدة عنوانها الكبير: «معادلة الردع بالقوة الذاتية»، وهنا لا بُد لنا من استذكار قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾.

وأصبح الأمر جلياً لدول الخليج العربية بأن خيارها الاستراتيجي والتكتيكي، منذ اللحظة، لحماية شعوبها ومصالحها في مواجهة إيران هو معادلة الردع بالقوة الذاتية، فدول الخليج مجتمعة تملك قوة عسكرية، وقوة نارية حاسمة في مواجهة إيران، وتستطيع عبر هذه القوة مجتمعة أن تحقق ردعاً وقدرة تدميرية تؤدي لإجبار إيران على المثول بالقوة للتعايش السلمي، وحفظ الود وحسن الجوار مع دول الجوار الخليجية، مرغمة ومكرهة، وإلا فإنها ستواجه قدرة فائقة تشمل الحصار والعزل والمقاطعة، فضلاً عن القوة النارية والحربية الصاعقة والرادعة، ولن تنجو إيران منها وربما تؤدي إلى نهاية النظام الإيراني، فإذا ما أضيف إليها التحالف الأوسع، الذي يضم تركيا، وباكستان، ومصر، والأردن، وربما سورية، فإن الأمر سيعني حتماً قدرة إقليمية «قوة فوق الفائقة» “super excessive power”. وهذه القوة الإقليمية الذاتية خليجياً وإقليمياً، كل منها منفردة أو مجتمعة، قادرة على ردع وفرض معادلة في مواجهة إيران، وكذلك الكيان الصهيوني اللقيط والمغتصب لفلسطين، وغدا حال وموقع الكيان الصهيوني رهين قرار تملك قدرته وأوراقه بالقوة الرادعة الذاتية الخليجية، وهي قدرة أكثر تفوقاً وردعاً إقليمياً في معية كل من تركيا، وباكستان، ومصر، والأردن، وسورية.

وانطلاقاً من هذه المعطيات والأسس لمعادلة القوة الذاتية الخليجية والإقليمية يجب أن ترسم وتشيّد مسارات مستقبل المنطقة، لتكون أوراقها في متناول يد هذه الدول وتحت إمرتها، وستكون كافية وقادرة وفائقة لردع قوتي الشر والعدوان وعدم الاستقرار في المنطقة، والمتمثلة في كل من إيران والكيان الصهيوني، في ظل تراجع الدور الأميركي في المنطقة بشكل متزامن مع التغيير في التحالفات التي دخلت مرحلة جديدة عنوانها أيضاً «الاعتماد على القوة والردع الذاتي»، وهو تحوّل استراتيجي واضح، بعد أن صار الموقف الأميركي قائماً على عدم حماية الحلفاء وتركهم يواجهون مصيرهم بأنفسهم، وهو ما تم تطبيقه من قبل أميركا فعلياً مع أوروبا بمواجهتها مع روسيا في حربها مع أوكرانيا، وكذلك مع دول الخليج في العدوان الإيراني عليها خلال الحرب الأميركية الصهيونية على إيران.

Ad

وكما يُقال من بين الركام وفي ساحات الحروب والصراع تبنى القوة وتتعاظم الأمم، فها نحن أمام لحظة تاريخية حاسمة أمام دول الخليج لبناء القوة وتعظيمها لتحقيق قوة الردع الذاتي خليجياً جنباً إلى جنب مع بناء قوة الردع والتفوق إقليمياً بالتكامل مع كل من تركيا، وباكستان، ومصر، والأردن، وسورية، في ظل التهديدات والعدوان المتكرر من إيران، والسلوك المتهور التوسعي للكيان الصهيوني.

وكما يقال بالمثل الدارج «ربّ ضارة نافعة»، فالحرب الأميركية الصهيونية - الإيرانية وما كشفته من رغبة عدوانية جانحة لإيران في عدوانها خلال الحرب على دول الخليج العربية والأردن من جهة، وحالة الانسحاب والتخلي الأميركي عن توفير التحالف المتوقع منها والحماية لدول المنطقة من جهة أخرى، فرضتا عليها وكرّستا حقيقة أنه آن أوان بناء قوتها الذاتية للردع وكسر العدوان ودحره، فالقوة هي لغة العصر، وقيل قديماً في المثل الكويتي «لا بارك الله في الضعف».