تدخل الأسواق المالية اليوم مرحلة استثنائية تتقاطع فيها قوة أرباح الشركات، وتراجع ضغوط التضخم تدريجياً، وشهية المستثمرين المتزايدة تجاه الابتكار، لتشكل معاً ما قد يصبح إحدى أكبر موجات الاكتتابات العامة في التاريخ الحديث.
وتواصل البيانات الاقتصادية الأخيرة رسم صورة لبيئة اقتصادية مليئة بالتحديات، لكنها ما تزال بعيدة عن مرحلة القلق الحقيقي. فقد أظهر مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) لشهر أبريل — وهو المؤشر المفضل لدى الاحتياطي الفدرالي الأميركي لقياس التضخم — ارتفاع التضخم الرئيسي إلى 3.8% على أساس سنوي، في حين بلغ التضخم الأساسي 3.3%.
ورغم أن معدلات التضخم لا تزال مرتفعة نسبياً، فإن نطاق تأثيرها في الاقتصاد أصبح أضيق بكثير مقارنة بموجة التضخم التي أعقبت جائحة كورونا. فالزيادات الحالية تبدو متركزة في قطاعات محددة، بدلاً من انتشارها بشكل واسع عبر مختلف ركائز الاقتصاد. وبمعنى آخر، لا يزال التضخم بعيداً نسبياً عن مناطق الخطر التقليدية التي يربطها الاقتصاديون بحالات الاقتصادية الصعبة.
ومع ذلك، تبقى الأسعار المرتفعة عبئاً واضحاً على المستهلكين. فقد تراجع نمو الدخل الحقيقي المتاح للإنفاق إلى مستويات سلبية مؤخراً، في إشارة إلى استمرار تأثير التضخم على القوة الشرائية للأسر. وفي المقابل، يواصل سوق العمل الأميركي إظهار قدر من الصمود، فحسب التقارير بلغ متوسط نمو الوظائف نحو 36 ألف وظيفة خلال الشهر الماضي، إلى جانب بقاء طلبات إعانة البطالة عند مستويات منخفضة نسبياً.
وعادة ما يبدأ الاقتصاديون برفع مستوى الحذر عندما تتسارع قراءات التضخم قصيرة الأجل بوتيرة تفوق الاتجاهات المتوسطة والطويلة الأجل، وتحديداً عندما يتجاوز تضخم الشهر الواحد متوسط الثلاثة أشهر، ويتجاوز متوسط الثلاثة أشهر بدوره متوسط الاثني عشر شهراً. ورغم أهمية هذه الإشارات، فإن الصورة العامة لأرباح الشركات لا تزال إيجابية إلى حد كبير.
فربحية الشركات الأميركية تشهد تحسناً تدريجياً، مع استمرار شركات مؤشر S&P 500 في تمثيل ما يقارب 40% من إجمالي أرباح الاقتصاد الأميركي. والأهم من ذلك، أن هوامش الأرباح توسعت في 10 قطاعات ضمن المؤشر خلال الربع الأول من العام، بقيادة قوية من شركات التكنولوجيا التي واصلت تحقيق زخم ربحي لافت.
وفي ظل هذه المعطيات، بدأ المستثمرون بتحويل أنظارهم نحو موجة استثنائية من الاكتتابات العامة.
فمن المتوقع أن يشهد هذا العام بعضاً من أضخم الطروحات العامة في التاريخ، حيث تُقدَّر أحجام بعض الاكتتابات المرتقبة بأنها تفوق أكبر الصفقات السابقة بمرتين إلى ثلاث مرات. ومن أبرز العمليات التي استحوذت على اهتمام الأسواق، الصفقة المرتبطة بقطاع الصناعات الفضائية، حيث نجحت شركة SpaceX في تنفيذ عملية جمع رؤوس أموال ضخمة الجمعة الماضي، بقيمة قاربت 75 مليار دولار. وأغلق السهم قرب مستوى 161 دولاراً، ما رفع القيمة السوقية للشركة إلى نحو تريليوني دولار، في رقم يعكس حجم الرهانات المستقبلية على قطاع الفضاء.
ولا يقتصر اندفاع المستثمرين على قطاع الفضاء فقط، إذ من المنتظر أن تدخل عدة شركات بارزة في مجال الذكاء الاصطناعي إلى أسواق المال خلال الفترة المقبلة، الأمر الذي يعزز موجة التفاؤل المرتبطة بالنمو المدفوع بالتكنولوجيا والابتكار.
ومن جهة أخرى، آلية تكوين المؤشرات المالية الحديثة لها دور مهم في تحديد مدى تأثير هذه الاكتتابات على الأسواق الأوسع.
فمؤشر Nasdaq 100 بات يسمح بإدراج الشركات الجديدة ضمن المؤشر بعد نحو 15 يوماً فقط من الطرح العام، وذلك بعد تعديلات حديثة على آلية الإدراج، ودون اشتراط تحقيق أرباح. أما مؤشر S&P 500 فيتبنى معايير أكثر صرامة، إذ يشترط مرور 12 شهراً على الإدراج وتحقيق عام كامل من الربحية قبل الانضمام إلى المؤشر.
والأهم أن مراقبي المؤشرات يعتمدون على الأسهم الحرة المتاحة للتداول (Free Float) عند احتساب أوزان الشركات داخل المؤشرات، وليس على إجمالي القيمة السوقية فقط. ويتوقع اقتصاديون أن تبدأ العديد من هذه الطروحات العملاقة بنسبة أسهم حرة منخفضة للغاية، ربما تقل عن 10%.
وتكمن أهمية هذه النقطة في أنها تحدّ من مخاطر حدوث اضطرابات مفاجئة في الأسواق نتيجة تدفقات الاستثمار السلبي أو عمليات البيع القسرية من الصناديق الكبرى. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن التغيرات في مكونات المؤشرات تحدث بشكل تدريجي وعلى مدى سنوات، وليس عبر صدمة مفاجئة في السوق.
وعلى المدى القصير، غالباً ما تحظى الاكتتابات العامة بزخم قوي عند بدء التداول، إذ بلغ متوسط العائد في اليوم الأول لاكتتابات عام 2026 نحو 15%، ما يعكس استمرار شهية المستثمرين تجاه فرص النمو الجديدة.
لكن على المدى الأطول، أي خلال فترة تمتد من سنة إلى ثلاث سنوات، تُظهر التجارب التاريخية أن أداء العديد من الاكتتابات يكون أضعف مقارنة بالشركات المنافسة الأكثر استقراراً. وفي كثير من الأحيان، تأتي هذه الطروحات العملاقة مرتبطة برغبة المؤسسين والمستثمرين الأوائل في جني الأرباح المتراكمة والاستفادة من التقييمات المرتفعة.
ورغم أن هذه الاكتتابات المرتقبة ستواصل تصدر العناوين الرئيسية وجذب اهتمام المستثمرين حول العالم، فإن آليات بناء المؤشرات المالية، إلى جانب محدودية الأسهم الحرة المطروحة للتداول، تبدو كفيلة بتخفيف احتمالات حدوث اضطرابات واسعة في الأسواق.
وفي الختام، قد تعيد موجة الاكتتابات العملاقة رسم ملامح الأسواق لسنوات مقبلة، لكن خلف هذا الزخم الكبير، لا يزال النظام المالي العالمي يبدو قادراً على استيعاب هذه الطروحات الضخمة بوتيرة مدروسة ومنظمة.