كثيراً ما نسمع عن أهمية الرياضة، والتغذية الصحية، والنوم الجيد. وقد يتساءل البعض: إذا كان الالتزام بهذه العادات مهماً إلى هذا الحد، فلماذا نرى أحياناً أشخاصاً يمارسون الرياضة بانتظام، ويتبعون نظاماً غذائياً جيداً، وينامون ساعات كافية، ثم يتعرضون رغم ذلك لنوبة قلبية أو جلطة دماغية؟
هذا التساؤل مشروع، لكنه يفترض أن نمط الحياة الصحي لا يمنح الإنسان حصانة مطلقة ضد المرض، وهو أمر لا يدّعيه العلم أصلاً.
لعل التشبيه الأقرب هو حزام الأمان في السيارة، فنحن لا نرتدي حزام الأمان لأننا نتوقع وقوع حادث، ولا لأننا نعتقد أنه سيمنع جميع الحوادث. نرتديه لأننا نعلم أنه إذا وقع ما لا نتمناه فإن فرص النجاة تكون أكبر، وحجم الضرر يكون أقل.
الأمر نفسه ينطبق على ما أسميه «مثلث الصحة»: الرياضة، والتغذية الصحية، والنوم الجيد... هذه العناصر الثلاثة لا تمنع جميع الأمراض، لكنها تقلل من احتمالية حدوث الكثير منها، وتساعد على تأخير ظهورها، وتزيد من قدرة الجسم على مواجهة التحديات الصحية عندما تحدث، فالصحة ليست مجرد تجنب للمرض، بل هي أيضاً امتلاك الاحتياطي الجسدي والوظيفي الذي يساعد الإنسان على التعافي واستعادة حياته بأفضل صورة ممكنة.
وفي الممارسة الطبية نرى كثيراً أن الفارق لا يكون فقط في الإصابة بالمرض، بل في قدرة المريض على تجاوزه، فالجسم الذي اعتاد الحركة، وحصل على نوم كافٍ، وتلقى تغذية متوازنة لسنوات طويلة، يكون غالباً أكثر قدرة على الصمود والتعافي من الجسم الذي أُهمل لفترات طويلة.
وعندما يتعرض القلب أو الدماغ لضرر كبير فإن العودة إلى الحالة السابقة قد تكون صعبة، وأحياناً مستحيلة بالكامل، لذلك فإن بناء الصحة يجب أن يسبق المرض، لا أن ينتظر حدوثه.
إن الرياضة، والتغذية السليمة، والنوم الجيد ليست ضماناً لحياة خالية من الأمراض، لكنها أفضل استثمار يمكن للإنسان أن يقدمه لنفسه على المدى الطويل.
فالرسالة ببساطة هي أننا لا نستطيع التحكم في كل ما قد يحدث لنا بالمستقبل، لكننا نستطيع أن نستعد له بأفضل طريقة ممكنة.
ومثلما نربط حزام الأمان قبل وقوع الحادث، لا بعده، فإننا نبني صحتنا قبل المرض، لا بعده. ومثلث الصحة ليس أكثر من حزام الأمان في رحلة الحياة.
* رئيس كلية الأنف والأذن والحنجرة وجراحة الرأس والرقبة
معهد الكويت للتخصصات الطبية، وزارة الصحة.
قسم الأبحاث بمعهد دسمان للسكري، مؤسسة الكويت للتقدم العلمي.