في زمنٍ تعصفُ المآسي بجهتنا من العالم وتدخل شهرها الرابع على التوالي، وتُخيّم أخبار الحروب والدمار على الشاشات والقلوب، تطلّ بطولة كأس العالم 2026 لتنتزع الأضواء، وتفتح نافذةً للضوء وسط عتمة الوجع الكوني.
إنه الملاذ الأخير للإنسان، هذا المستطيل الأخضر الذي نهرب إليه من رعب القذائف والمسيّرات وصخب النشرات المُفجعة، بحثاً عن هدنةٍ يحلُّ فيها السلام، لنكمل بعدها مسيرة البناء والنهضة في دولنا، دول مجلس التعاون الخليج العربي، ليعمّ الفرح والأمان، ولتظل دولنا الخليجية واحة أمن وأمان واستقرار، ومكانا للحياة الكريمة، وفرصة وملاذا لكل من يريد حياة هانئة يحظى فيها بفرصة عمل.
ولأنّ كرة القدم لم تعد مجرّد جلدةٍ تُلاحَق، فقد غدت اليوم أعتى «قوة ناعمة» تملكها الأمم، إنها السفارة الإنسانية الأكبر، والمنبر الفخم الذي تروي من خلاله الدول حكايتها، وتستعرض هويّة شعوبها وثقافتها وعراقتها من دون قتال.
هناك، في ساحات المونديال، تسقط الفوارق وتذوب الحدود، وتصبح الأهازيج المونديالية ودموع الفرح وصراخ المدرجات هي اللغة العالمية التي توحّد القلوب، وتصنع من الدبلوماسية الشعبية جسوراً عجزت عن تشييدها ترسانات السلاح وصالونات السياسة المغلقة، فغدت الدبلوماسية الرياضية علما يدرّس في المعاهد والجامعات لأهميته وقيمته.
ومع قرع طبول المونديال، تتجه الأنظار بلهفة صوب الساحر الأرجنتيني ليونيل ميسي وكتيبة الأرجنتين، الحالمين بتكرار الملحمة، والمُصرّين على كتابة التاريخ بمداد «التانغو» الذهبي.
لكنّ عام 2026 يبدو رحماً حبلى بالمُفاجآت الصادمة والملاحم غير المتوقعة! فالخيول السوداء تتحفز في الظلام، والقوى الصاعدة تأتي متسلحةً بالعناد، لتثبت أن عُشب المونديال لا يرحم المُتكاسلين، ولا ينحني للتاريخ أو الأسماء، بل ينصاع فقط لعرق الحاضر، وجنون اللحظة، وبسالة الفرسان في أرض المعركة.
إنها الحقيقة التي سطرناها مراراً وتكراراً، وآمنّا بها في ملاعب الكرة كما في مسرح الحياة: «شخصية البطل» لا تُولد من فراغ، ولا تأتي هبةً من مصادفةٍ عابرة. البطل هو ذاك الذي يُصهر في أتون المعاناة، ويتنفس تحت الضغط العالي، ويملك كبرياءً ترفض الانكسار. في مونديال 2026، لن يرفع الكأس الغالية إلّا من ملك تلك الروح الاستثنائية، الروح التي تعرف كيف تنهض من وسط الركام، وتصنع النصر من قلب المستحيل، لتظل البطولة دائماً حكراً على مَن يملك جينات الخلود وصمود الجبال.