قبل أكثر من 6 قرون، كتب عبدالرحمن بن خلدون عن دولٍ سادت ثم بادت، وكان يحاول فهم قانون يتكرر في التاريخ. وقد لاحظ أن الأمم لا تسقط غالباً وهي ضعيفة، بل يبدأ التراجع بعد بلوغ القوة والرخاء، فجيل التأسيس يبني ويكافح، وجيل الاستقرار يحافظ ويطوّر، ثم يأتي جيل لم يعرف المشقة التي صنعت ذلك النجاح، فتبدأ عوامل الضعف بالظهور تدريجياً، وهو ما ينبغي أن نحذر منه في الكويت والمجتمعات الخليجية.

لم يكن ابن خلدون يهاجم الرفاهية، وإنما كان يحذر من فقدان الصفات التي صنعتها.

الثروة التي تضيع قبل أن تضيع الأموال

Ad

الخطأ الشائع أن الناس يعتقدون أن الثروة تعني المال فقط، والحقيقة أن المال غالباً ما يكون آخر ما يضيع.

فالذي يضيع أولاً هو الانضباط، ثم روح المبادرة، ثم الاستعداد لتحمل المسؤولية والمخاطرة، وعندما تتراجع هذه الصفات يبدأ التآكل البطيء الذي لا يلاحظه كثيرون إلا بعد سنوات طويلة.

وينطبق ذلك أيضاً على نطاق العائلات، ولهذا نرى أسراً بنت إمبراطوريات اقتصادية خلال جيل واحد، ثم فقدت جزءاً كبيراً من قوتها خلال الأجيال اللاحقة، ليس بسبب نقص المال، بل بسبب غياب العقلية التي صنعت المال.

الوفرة ليست المشكلة

الفقر ليس فضيلة، كما أن الثراء ليس خطيئة، بل إن نجاح المجتمعات يقاس بقدرتها على تحقيق الرخاء لمواطنيها.

لكن الوفرة تحتاج إلى إدارة حكيمة. فالإنسان يحتاج إلى تحديات ومسؤوليات حتى يحافظ على قدرته على النمو والتطور. وعندما تصبح الحياة سهلة بصورة مفرطة، تتراجع أحياناً بعض الصفات التي قادت إلى النجاح في البداية.

ولهذا فإن القضية ليست المال بحد ذاته، بل أثر المال في السلوك والثقافة والقيم. وهنا يأتي دور الدولة في إعادة ضبط الحوافز، وبناء بيئة تصنع مواطناً يكافح ويتنافس للحصول على الفرصة، ثم يطوّر نفسه باستمرار للمحافظة عليها والتقدم فيها.

مرض الأغنياء... أنيميا الوفرة

ولدى بعض علماء النفس مصطلح يصف هذه الظاهرة يُعرف بـ «أنيميا الوفرة» أو «منطقة الراحة النفسية»، وهي حالة يعيش فيها الإنسان وسط أشكال متعددة من النعمة، لكنه يفقد الحافز والمعنى والدافع.

فبعض الآباء والأمهات، بدافع الحب، يحاولون إزالة كل عقبة من طريق أبنائهم. تُحل المشكلات نيابة عنهم، وتُرفع عنهم المسؤوليات، وتُلبى رغباتهم بسرعة.

لكن الحياة لا تمنح أحداً هذه الامتيازات إلى الأبد.

إن بناء الشخصية يحتاج إلى قدر من المسؤولية والتجربة والاحتكاك بالحياة. فالإنسان لا يتعلم الصبر من الكتب، ولا يكتسب الثقة بالنفس من الراحة الدائمة، بل من مواجهة التحديات وتجاوزها.

• ماذا عن الكويت ودول الخليج؟

في الكويت ودول الخليج عموماً، نحن أمام تجربة تاريخية فريدة، فقد انتقلت مجتمعاتنا خلال عقود قليلة من حياة بسيطة محدودة الموارد إلى مستويات مرتفعة من الرفاه والخدمات والدعم الحكومي، وهي نعمة كبرى لا جدال فيها.

لكن كل مرحلة تاريخية تفرض تحدياتها الخاصة. وإذا كان تحدي الآباء والأجداد هو بناء الدولة وتوفير الخدمات وتحقيق الاستقرار، فإن تحدي هذا الجيل يتمثل في المحافظة على روح الإنجاز بعد تحقق معظم تلك المكاسب.

لقد أسهم التوسع الطويل في دور الدولة، بوصفها رب العمل الأكبر ومصدر الدخل الأكثر استقراراً، في ترسيخ ثقافة اجتماعية تميل إلى الأمان الوظيفي أكثر من المبادرة والمخاطرة، كما تراجعت لدى بعض الشرائح ثقافة العمل المبكر والأعمال الصغيرة التي كانت تمثل مدرسة عملية لصقل الشخصية وتعزيز الاعتماد على النفس.

واليوم تبدو الكويت أمام فرصة مهمة، فالحكومة الحالية بدأت خطوات واضحة لترسيخ الانضباط، وتطبيق القانون، ومعالجة كثير من مظاهر التراخي الإداري التي تراكمت عبر السنوات. وهي خطوات ضرورية ومحمودة، لكنها تمثل بداية الطريق لا نهايته.

فالمرحلة المقبلة يجب أن تركز على فتح آفاق أوسع للتنمية، وتشجيع القطاع الخاص الجاد، وربط الفرص بالإنتاجية والكفاءة، وإعادة الاعتبار لقيمة العمل والإنجاز الفردي، بحيث لا يصبح الحصول على الوظيفة هدفاً نهائياً، بل بداية لمسار من التطور والعطاء والمنافسة.

دور القطاع الخاص في مقاومة هشاشة المجتمع

إذا كانت الأسرة تبني الشخصية، فإن الاقتصاد يصقلها. 

ويطرح نيكولاس طالب مفهوم «مقاومة الهشاشة»، أي قدرة الأفراد والمؤسسات على أن تصبح أقوى نتيجة التحديات والضغوط التي تواجهها. فالعضلات تنمو بالمقاومة، والعظام تزداد قوة بالحركة، وجهاز المناعة يقوى بالتعرض المدروس للمخاطر، والإنسان كذلك.

ومن هنا تبرز أهمية القطاع الخاص، ليس فقط كوسيلة لزيادة الناتج المحلي أو خلق الوظائف، بل كمدرسة يومية لبناء الكفاءة والانضباط وروح المبادرة، ففي بيئة الأعمال لا يكفي الانتظار، ولا تكفل الاستمرارية إلا القدرة على التطور والمنافسة والابتكار.

ولهذا فإن قوة القطاع الخاص ليست قضية اقتصادية فحسب، بل قضية اجتماعية وتنموية أيضاً. فالمجتمعات التي تعتمد بصورة مفرطة على الدولة في التوظيف والدخل قد تحقق الاستقرار لفترة من الزمن، لكنها تخاطر تدريجياً بإضعاف روح المبادرة والإنتاجية، أما المجتمعات التي تمنح القطاع الخاص دوراً أكبر فإنها تخلق بيئة تدفع الأفراد إلى التعلم المستمر وتحمل المسؤولية والسعي نحو الإنجاز.

ولعل التجربة التاريخية تقدم درساً بالغ الدلالة، فقد كشف انهيار الاتحاد السوفياتي السابق حدود النماذج التي تضعف الحوافز الفردية وتحد من روح المنافسة والمبادرة. وفي المقابل أثبتت الاقتصادات الأكثر انفتاحاً على الإبداع والملكية الخاصة والمنافسة قدرتها على تحقيق معدلات أعلى من النمو والتطور والابتكار، فالتنمية المستدامة لا تقوم على الموارد وحدها، بل على إطلاق طاقات الإنسان وتحفيز قدراته على الإنتاج والإنجاز.

أعظم استثمار

التحدي الحقيقي أمام الأسرة والمجتمع والدولة ليس زيادة الثروة فقط، بل المحافظة على الصفات التي صنعتها.

فالاستثمار في الإنسان يسبق الاستثمار في المال. وغرس قيم العمل والانضباط وتحمل المسؤولية أهم من توريث أي رصيد مالي مهما بلغ حجمه.

لقد أدرك ابن خلدون قبل قرون أن النجاح يحمل في داخله بذور الخطر إذا تحول إلى راحة دائمة. وما نحتاجه اليوم ليس العودة إلى الحرمان، بل بناء أجيال تستفيد من النعمة دون أن تفقد روح المبادرة، وتتمتع بالرخاء دون أن تتخلى عن قيمة العمل.

فالأمم لا يحميها ما تملك من ثروات فقط، بل ما تملكه من بشر قادرين على صناعة تلك الثروات مرة بعد أخرى.

*وزير الصحة الأسبق