كل إنسان يمضي في حياته ولديه آمال وأحلام، يُكابد واقعه بالأخبار المزعجة والظروف المؤلمة، يُصارع الإحباط، ويُريد الطمأنينة.

لكن كيف تُصاغ الأحلام؟ وكيف تتشكَّل التطلعات؟ بيننا مَنْ يفعل ما ليس من اختياره، أو يبذل في سبيلٍ ليس حقاً الطريق الذي أراده، بل يضع قدمه على درب، ويشق خطواته الثقيلة فيه، ويتكبَّد المجازفات والضغوط والخسائر، درب لا يناسب أفكاره ولا ميوله. ذلك ليس مبالغة ولا خيالاً، ولستُ أضخِّم الأمور أو ألفقها، بل هي حقيقة تدور يومياً.

يفني الناس سنواتهم في وظيفةٍ يكرهونها، أو يتكلَّفون مبالغ لمقتنيات لا يحتاجونها، يقدمون على تصرُّفات غير لائقة لا تحقق لهم كرامةً ولا صلاحاً، فلماذا يفعلونها؟ إنها فكرة قديمة تتمثل في الخوف من نظرة الآخرين، والمكانة الاجتماعية. إن تحويل العامة إلى حَكَم في مسائل خاصة يسلب المرء المنحة الإلهية في اختيار السبيل وتحمُّل العاقبة.

Ad

كيف يعيش الإنسان أيامه ولياليه وهو يتصرَّف بما لا يوافق شخصيته؟ تتضارب في داخله هويتان، يُبدي خلاف ما يُخفي، يرتدي أزياء شخصٍ آخر، ويزج بنفسه في مواضع ليست له، ويتشكَّل تبعاً للقالب الذي يُصادفه، حتى يشعر بالقبول ويتلقَّى الثناء، ولكن ممن؟ وعلى أي هوى ومعيار؟

كم وقع من أشخاص في إدمان المخدرات رهبةً من الاستهزاء إن رفضوا التجربة!

فلان يشتري سيارة تفوق إمكانياته، حتى لا يُقال إن سيارته عادية!

فلانة تنجب وهي لا طاقة لها بالتربية، حتى لا تُتهم بالنقص!

لقد غذَّت وسائل التواصل المظاهر والتباهي، ووضعت مقاييس جديدة - تافهة - للنجاح والسعادة، لكنها ساعدت في الكشف عن جزءٍ أصيل من الذات، وتبيان مَنْ يصمد ومَنْ ينجرف.

الحياة رحلة ابتلاءات شاقة، يهلك فيها مَنْ يعبد الله على حرف، ذاك الذي تقلبه الحوادث، ويتنازل عن عقله.

هل حقاً تستحق مخاوفنا من التقييم والتأويل أن نتخلَّى عن قناعاتنا؟ أو نتبنَّى أساليب تناقض حقيقتنا، ونتحوَّل إلى شكلٍ لا يمثلنا، وننسلخ من طبيعتنا وسِماتنا التي تمنحنا الفردانية والتميُّز... وفي أحيان كثيرة تمنحنا النجاة؟