دلت أزمة التأشيرات الأميركية للمشاركين في كأس العالم على تداخل السياسة بالرياضة في تشابك معقد يعكس واقع العلاقات الدولية المعاصرة، حيث لطالما نُظر إلى البطولات الرياضية الكبرى، وعلى رأسها بطولة كأس العالم لكرة القدم، باعتبارها مساحات إنسانية عابرة للحدود وأدوات فعالة في تفعيل الدبلوماسية الناعمة القادرة على تقريب الشعوب وتجاوز الخلافات الأيديولوجية والسياسية تحت مظلة الميثاق الرياضي الأولمبي الدولي الذي وضعه الفرنسي بيير دي كوبرتان، حيث أكد مبدأ الحياد السياسي من خلال فصل الرياضة عن الصراعات السياسية والدينية والعرقية، والتزام الدول المستضيفة للبطولات الرياضية باستقبال جميع الرياضيين دون تمييز بناءً على جنسياتهم أو مواقف بلدانهم السياسية.    إلا أن الواقع الحالي يشير إلى أن المعايير السياسية لا تزال تفرض ظلها الثقيل على المستطيل الأخضر، وهو ما تجلى بوضوح في الإجراءات الأمنية الحمائية المفرطة التي اتخذتها الولايات المتحدة الأميركية، بصفتها شريكاً رئيسياً في تنظيم بطولة كأس العالم، حيث قوبلت طلبات تأشيرات الدخول لعدد من اللاعبين وأعضاء الوفود الرسمية والحكام بالرفض التام أو المنع من الدخول عند منافذ الوصول، وكان من أبرز هذه الحالات وأكثرها إثارة للجدل استبعاد الحكم الصومالي الدولي عمر عرتان، الذي حُرم من فرصة تاريخية للمشاركة في إدارة مباريات المونديال العالمي بعد منعه في مطار ميامي الدولي من الدخول برغم حيازته المسبقة لتأشيرة الدخول، مما أعاد فتح نقاش قانوني ودبلوماسي واسع في المحافل الدولية حول مدى توافق هذه الإجراءات الحمائية والسيادية مع القوانين والأعراف الدولية والرياضية المستقرة التي تُنظم مثل هذه المحافل العالمية. وتضعنا هذه الأزمة المتجددة أمام إشكالية قانونية وفلسفية في المواءمة بين مفهومين رئيسيين في القانون الدولي، يتجسد الأول في حق السيادة المطلقة للدولة على حدودها الإقليمية وحقها في حماية أمنها القومي، والثاني يتعلق بالتزامات الدولة المضيفة تجاه المنظمات الدولية ومواثيقها الأخلاقية والرياضية، فمن منظور القانون الدولي العام تمتلك كل دولة سلطة سيادية كاملة وغير قابلة للنزاع في تنظيم دخول وخروج الأجانب من وإلى أراضيها وفقاً لاعتباراتها الأمنية وقوانين الهجرة الخاصة بها، حيث لا يوجد في القانون الدولي العام ما يلزم دولة بمنح تأشيرتها لأي أجنبي ما لم تكن هناك اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف تلزمها بذلك صراحة، وهي الحجة التي تتسلح بها الإدارة الأميركية لتبرير موقفها من منطلق التدقيق الأمني الصارم المفروض على بعض الجنسيات.  وفي المقابل، جرى العرف الدبلوماسي المستقر منذ عقود عند استضافة الأحداث الرياضية الكبرى على أن تبدي الدول المضيفة مرونة استثنائية وتسهيلات خاصة لضمان عدم تسييس تلك الأحداث وتأمين وصول كل المشاركين، وهو ما يتوافق كذلك مع اتفاقيات المقر وشروط الاستضافة الصارمة التي يفرضها الاتحاد الدولي لكرة القدم، والتي تشترط تقديم تعهدات حكومية ملزمة تضمن تسهيل إجراءات الدخول لجميع الفرق والمسؤولين والحكام دون أي تمييز بناءً على الجنسية أو العرق أو الموقف السياسي، مما يجعل التشدد الأميركي الأخير خروجاً عن هذه الأعراف المستقرة، ويكشف في الوقت ذاته عن مأزق حقيقي تواجهه المنظمات الدولية مثل الاتحاد الدولي لكرة القدم الذي يبدو عاجزاً عن فرض لوائحه أمام السلطات السيادية للدول العظمى.

إن ما تشهده بطولة كأس العالم الحالية اليوم يهدد مصداقية المنظمات الرياضية الدولية، ويفرض عليها تحديات جسيمة مستقبلاً ويتطلب منها إعادة النظر في صياغة شروط الاستضافة بشكل أكثر حزماً وقوة، وأن تبحث عن آليات قانونية دولية مبتكرة تضمن تحصين التأشيرات الرياضية وجعلها بمنزلة جوازات سفر دولية حصينة ضد التقلبات السياسية والقرارات السيادية المزاجية.

 * أستاذ جامعي ومستشار قانوني ــ لندن

Ad