تنطلق اليوم منافسات كأس العالم لكرة القدم، البطولة الأعظم والأكثر شعبية في تاريخ الرياضة، بحلةٍ جديدة لم يسبق لها مثيل، ليس فقط من حيث عدد المنتخبات المشاركة، بل أيضاً من حيث استضافتها لأول مرة من قِبل ثلاث دول، هي: الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك، غير أن صافرة البداية تأتي هذه المرَّة وسط كمٍّ هائل من الملاحظات والصعوبات والشكاوى التي لم تشهدها أي نسخةٍ سابقة بهذا الحجم.

فمنذ أشهر تتوالى الأنباء عن تأخير منح تأشيرات الدخول للعديد من المشاركين والجماهير، إلى جانب شكاوى متكررة من إجراءات الحدود والجمارك الأميركية، والتي وصل بعضها إلى منع أشخاص من دخول البلاد رغم ارتباطهم المباشر بالبطولة. ولعل أبرز الحالات التي أثارت الجدل كانت ما تعرَّض له الحكم الصومالي عمر عبدالقادر أتن، إضافة إلى شكاوى أخرى طالت جماهير وإعلاميين ومشاركين من مختلف الدول.

ولا تقف المشكلات عند هذا الحد، فهناك حديث متواصل عن ارتفاع درجات الحرارة في بعض المدن المستضيفة، وعدم جاهزية بعض ملاعب التدريب بالشكل المأمول، فضلاً عن الارتفاع الكبير في أسعار التذاكر والإقامة ووسائل النقل، وهي أمور يفترض أنها تستدعي نقاشاً واسعاً وانتقادات يومية لو كانت البطولة تُقام في أي مكانٍ آخر.

Ad

اللافت بل والمثير للاستغراب أن حجم الانتقادات الحالية لا يساوي حتى عُشر ما تعرَّضت له دولة قطر الشقيقة قبل وأثناء استضافتها لمونديال 2022، فحينها لم يكد يمر يوم من دون حملات إعلامية وتقارير حقوقية وبرامج تلفزيونية تتحدَّث عن كل صغيرة وكبيرة، حتى ظن البعض أن البطولة لن تُقام أصلاً، ورغم ذلك قدَّمت قطر نسخة تاريخية بشهادة معظم مَنْ حضرها أو تابعها؛ تنظيمياً، وجماهيرياً، وأمنياً، ولوجستياً، لتتحوَّل كثير من الأصوات المنتقدة نفسها إلى أصوات إشادة بعد انتهاء الحدث.

أما اليوم، فإن جماعات حقوق الإنسان التي أرهقت العالم بتقاريرها وتصريحاتها تبدو كأنها دخلت في سبات عميق، فلا نكاد نسمع شيئاً عن الانتهاكات اليومية لحقوق الإنسان أو قضايا حُرية التعبير أو معاملة المهاجرين، أو غيرها من الملفات التي كانت تتصدَّر العناوين عندما كان المستضيف عربياً، وكأن المعايير التي كانت تُستخدم بالأمس اختفت فجأة بمجرَّد انتقال البطولة إلى الضفة الأخرى من العالم.

والأكثر غرابة أن الاتحاد الدولي لكرة القدم يواجه بدوره شكاوى وقضايا قانونية داخل الولايات المتحدة تتعلق بالبطولة وتنظيمها وآلية بيع التذاكر، ومع ذلك يبدو راضياً وسعيداً، ولا يرى ما يستحق القلق أو المراجعة، في مشهدٍ يعكس حجم التناقض الذي بات يُحيط بكرة القدم الحديثة.

لا أحد يتمنَّى فشل البطولة، بل على العكس نتمنَّى نجاحها، لأن نجاح كأس العالم مكسب لكرة القدم كلها. لكن ما نتمناه أيضاً هو أن تكون المعايير واحدة للجميع، وأن يتم تقييم البطولات والدول بالميزان نفسه، لا أن تتحوَّل الانتقادات إلى أداة انتقائية تُستخدم ضد طرف، وتُخفى عن آخر، ففي النهاية يبدو أن بعضهم لا يملك مشكلة مع الأخطاء بقدر ما يملك مشكلة مع هوية من يرتكبها.

بنلتي

بعد كل ما قِيل عن قطر في 2022، اكتشفنا أن حقوق الإنسان وحُرية التعبير وأسعار التذاكر ملفات موسمية، تظهر حسب الطلب والدولة المنظمة، وقد ظهرت ضد الدوحة واختفت في غيرها. الظاهر أن بعض المعايير عندهم مثل الـ (VAR)، «يشتغل على فرق، ويطفي على فرق!».