تُشكل حرب إيران أكثر الصدمات خطورة على اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من بين كل الأزمات الجيوسياسية التي هزّت المنطقة منذ 5 عقود على الأقل، حتى وإن انتهى الصراع بإعادة حرية حركة الملاحة في مضيق هرمز في غضون الأيام أو الأسابيع القليلة القادمة.

تستند هذه الخلاصة إلى تحليل لبيانات صندوق النقد الدولي منذ 1980، مع استثناء لجائحة كورونا والأزمة المالية العالمية عام 2008. واعتمد التحليل على 5 معايير وهي: عدد الدول المتضررة بصورة مباشرة، وحجم اقتصاداتها، وتأثيرها في اقتصاد الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى أثر الصراع على الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة بشكل عام.

4 تريليونات دولار

تضرب الأزمة الحالية كتلة اقتصادية أوسع بكثير وأكبر حجماً من أي مرحلة خلال فترة الدراسة، حيث يبلغ حجم الناتج المحلي الاسمي للدول العشر التي تضررت بشكل مباشر (ومن بينها كيان الاحتلال الاسرائيلي) نحو 4 تريليون دولار، أي نحو 70% من حجم اقتصاد المنطقة و3% من حجم الاقتصاد العالمي، أو ما يقارب الناتج المحلي الإجمالي لمجموعة الآسيان، والتي تضم من بين أعضائها دولاً مثل ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة. أما فيما يتعلق بالأثر المباشر على نمو الناتج المحلي الإجمالي، تظهر البيانات انكماش اقتصاد المنطقة عام 1980، مدفوعاً بانهيار الاقتصاد الإيراني بما يُقارب 22% بسبب بداية الحرب مع العراق، في حين يتوقع السيناريو المرجعي لصندوق النقد تراجع النمو هذا العام إلى 1.1%. غير أن استمرار تعطل الملاحة في مضيق هرمز يزيد من احتمال خفض توقعات النمو.

Ad

 

أكبر نقطة تحول منذ 1973

تدعم هذه الخلاصة سردية ترى في الأزمة الحالية أكبر نقطة تحوّل في اقتصاد الشرق الأوسط ودوره المحوري في العالم منذ أن حظرت الدول الخليجية والعربية تصدير النفط للدول المساندة للاحتلال الاسرائيلي عام 1973، وهو ما أدى إلى تسارع معدلات التضخم وظهور ما يعرف الآن بالركود التضخمي في منتصف السبعينيات. ولكن في حين أطلق ارتفاع أسعار النفط بعد المقاطعة شرارة طفرة جديدة في الخليج، تواجه المنطقة هذه المرة اضطرابات في إمدادات الطاقة وحركة التجارة والطيران والتمويل في نفس الوقت.

كما يزيد من تعقيد المرحلة اندلاع الصراع في لحظة كانت فيها عدد من دول الشرق الأوسط تستعد لمرحلة إعادة إعمار هائلة بعد سنوات من الحروب في سوريا ولبنان وغزة واليمن والسودان، وهو تحدٍ كان من المتوقع أن تلعب دول الخليج تحديداً دوراً كبيراً فيه إلى جانب المؤسسات الدولية.

 

النتائج الرئيسية

- لأول مرة منذ أربعينيات القرن الماضي، يشمل أي صراع عسكري في الشرق الأوسط 10 دول تضررت بشكل مباشر هي إيران والإمارات والسعودية والبحرين والكويت وقطر وعمان والعراق ولبنان والاحتلال الإسرائيلي.

- أدت الحرب إلى تضرر إنتاج وتصدير النفط والغاز لمعظم دول الخليج، والعراق وإيران في نفس الوقت، كما أدى إلى تراجع إنتاج منظمة أوبك في شهر مايو إلى أدنى مستوياته منذ عام 1985، بحسب تقديرات بلومبرغ.

- يبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي للدول المتضررة من الحرب بصورة مباشرة ما يقارب 4 تريلوينات دولار ، أو 3% من الاقتصاد العالمي، أو نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي الإسمي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهي نسبة لا تضاهيها أي أزمة أخرى في العينة التاريخية.

- على صعيد النمو، أدّت تبعات بداية الحرب العراقية-الإيرانية إلى انكماش اقتصاد المنطقة بأكثر من 1% عام 1980، وذلك مدفوعاً بانهيار الاقتصاد الإيراني 21.6%. هذا العام، يتوقع السيناريو المرجعي لصندوق النقد تقلص حجم اقتصاد إيران بنحو 6%.

- في المقابل، أدى ارتفاع أسعار النفط إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي لدول المنطقة بنحو 7% في كل من عامي 1990 و1991 رغم الغزو العراقي الغاشم للكويت وحرب التحرير.

- كما ساعدت أسعار النفط على تحقيق معدل نمو بلغ نحو 5.8% عام 2003 رغم الغزو الأميركي-البريطاني للعراق، في حين انكمش الاقتصاد العراقي نفسه بأكثر من 36%.

- في 2011، تشير البيانات إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي للمنطقة ككل بنحو 4% لأن الاقتصادات الخليجية وعلى رأسها الكويت والسعودية وقطر  حققت نمواً قوياً بدعم من أسعار النفط. أما عام 2024، والذي عكس تداعيات حرب غزة، بلغ نمو المنطقة 1.8% وفق البيانات.

ماذا عن التعافي؟

اجمع خبراء أن التعافي الاقتصادي للمنطقة يعتمد على سرعة انتهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة، وعودة إمدادات الطاقة ومشتقاتها إلى ما كانت عليه، وهو ما قد يستغرق بين عدة أسابيع أو عدة أشهر. إذ إن تعافي إنتاج النفط والغاز يؤدي إلى ارتداد سريع في معدل النمو، بسبب تأثير القطاع النفطي على الناتج المحلي الإجمالي في معظم دول الخليح والعراق. ولكن التحدي الأكبر يتمثل في عودة الاستقرار الأمني للمنطقة، لأنه ضروري لجذب السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة وعودة حركة الشحن والملاحة التجارية، وهو ما يؤثر بدوره على القطاع غير النفطي وسوق العمل.