التطورات المتسارعة للوضع الإقليمي منذ قيام دولة الملالي في إيران عام 1979، واكبتها حركة ذكية ومبادرة شجاعة من دول الخليج العربية الست (السعودية - الكويت - الإمارات - عمان - قطر - البحرين)، بتكوين تجمع إقليمي مهم ومؤثر وملحٌّ لحماية نفسها وتطوير منظومة تعاونها في المجالات الحيوية والضرورية، لمواجهة التحديات والتطورات المرتقبة في الإقليم بعد سقوط شاه إيران وقيام دولة الملالي فيها، جنباً إلى جنب مواكبة التطورات العالمية والإقليمية، والتي تحترم وتتعامل بشكل أكثر تقديراً مع تجمعات الدول بدلاً من التعامل الفردي لكل دولة على حدة.

وقد نجحت الدول الست منذ عام 1981 في مواجهة التحديات والتغييرات التي حدثت وتوالت إقليمياً وعربياً وعالمياً، وقد انعكس ذلك على العديد من المجالات المهمة السياسية والاقتصادية والجمركية والأمنية والعسكرية والثقافية وغيرها، بما انعكست آثاره ونتائجه ومزاياه على هذه الدول وشعوبها استقراراً ونمواً وتطوراً وتلاحماً، ولا يخفى ذلك على منصف ولبيب، ولا جدل أو مراء في هذه الحقيقة وآثارها. 

واليوم أصبح مجلس التعاون الخليجي أمام تحديات متعاظمة وضغوط متزايدة وقرارات حاسمة، فمنذ 15 عاماً تقريباً بدأت المنظومة العالمية في التبدل والتغيير، إذ تعددت التحالفات وزادت حدة المصالح المتقاطعة، وبات لزاًماً الاستجابة للمستجدات الأمنية والجغرافية والتكنولوجية والسياسية والاقتصادية. 

Ad

وقد زاد من إلحاح ذلك تطورات وأحداث متلاحقة بدأت في تغيير النظام في العراق 2004، وتغيير النظام اليمني واستيلاء الحوثيين على شمال اليمن مروراً بتراجع المنظومة الأوروبية وصعود الصين قوة عالمية وتزايد التحديات الأمنية بحرب أوكرانيا ومخاطر توسع الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين وحرب أوكرانيا والحرب الصهيونية على غزة والاستقواء الصهيوني في المنطقة بتحرك للهيمنة على سورية ولبنان بعد سقوط نظام الأسد، ووجود الحليف الأميركي الأكبر للكيان حالياً، وأخيراً الحرب الأميركية الصهيونية على إيران منذ سنة ودخول الإقليم مباشرة في حالة الاضطراب مع نشوب الحرب الأخيرة في 11 فبراير الماضي ووصول سعارها ونيرانها إلى دول مجلس التعاون مباشرة وتداعياتها العديدة، وأخطرها سيطرة إيران على مضيق هرمز وإغلاقه والتحكم فيه لفرض معادلة إقليمية جديدة قوامها فرض هيمنة مباشرة لإيران على دول الخليج العربية، وربما يتم ذلك بتنسيق ومباركة أميركية في ظل التقلبات الترامبية في التعامل مع هذا الملف الحساس والخطير. 

وفي ضوء كل المعطيات والاعتبارات السابقة فإنه آن الأوان أن يخرج مجلس التعاون عن صمته، ولا أعني بذلك بيانات الشجب والتنديد والاستنكار، بل أقصد تحركاً سريعاً ودؤوباً في عدم التسامح إطلاقاً مع كل ما من شأنه أن يمس دول مجلس التعاون منفردة أو مجتمعة أو مصالحها الأمنية أو العسكرية أو الاقتصادية أو التنموية أو الحيوية أو الجغرافية، من أي كان ومهما كان، بدءاً من إيران التي طغت وتمادت وتجاوزت، وتعريجاً على الكيان الصهيوني الذي تكالب وألب وتآمر، ووصولاً إلى أميركا التي تخلّت وتناقضت وتبدلت مصالحها، ولا يمكن مواجهة ذلك وعبور تلك التحديات إلا بالخروج عن الصمت، وهو خروج يعني توحيداً كاملاً للمنظومات الأساسية لكيان المجلس، يرتقي بمنظومته سياسياً وعسكرياً وأمنياً واقتصادياً، مما يجعله موحداً في اتخاذ إجراءات عاجلة واستراتيجية، منها فرض حصار وعقوبات على إيران ما لم ترتدع في سلوكها وتتخلى عن التحكم في مضيق هرمز، وقد يتطلب ذلك عملاً سياسياً واقتصادياً، وربما عسكرياً، لتحقيق ردع فعلي على العدوان والتمادي الإيراني على دول مجلس التعاون، ودخول تحالف إقليمي رسمي يضم باكستان وتركيا ومصر ولا يغفل سورية والأردن، فالقوة هي لغة العصر وضمان البقاء ذاتياً، بعد أن فشلت وتراجعت التحالفات التقليدية، وسيكون ذلك سبباً لردع وكبح مخطط ومسلك الكيان الصهيوني، ومدخلاً لإعادة رسم وضبط العلاقة مع أميركا التي تبدلّت سياساتها وتراجعت تحالفاتها عالمياً وأوروبياً وخليجياً، وهو ما يستوجب سياسة دولية متوازنة منفتحة على روسيا والصين. نعم، هذا هو مقصود الخروج عن الصمت.