من التجار الذين يتوسَّع الكتاب في شرح علاقتهم مع العمر، التاجر علي عبدالرحمن العلي، المعروف بلقب القدح (الجدح). ويقول عنه الحمد إنه من الأمناء الثقات «الذين تُوضع عندهم الأمانات في الكويت»، حيث يذكر الكثير ممن عملوا في الكويت- وفقاً للحمد - أنهم «يضعون أموالهم عنده في دُكانه، ويُسلِّمها لهم عند رغبتهم بالعودة إلى نجد»، ولا تزال ذُريته في الكويت، حيث قابل المؤلف حمد الحمد أحد أحفاد علي عبدالرحمن المشهور بـ «الجدح»، المتوفى عام 1961، وكان عُمره 80 سنة (ص 73).
ومن أسماء التجار الآخرين الذين يُبرزهم كتاب الحمد، عبدالمحسن الناصر الخرافي، حيث تكرَّر الاسم - كما يقول المؤلف - أكثر من 40 مرة في وثائق دخيل العمر. وقد أسهم الخرافي في إنشاء أول مدرسة ثانوية بالكويت. كما خصَّص إحدى سفنه الشراعية لحمل المياه العذبة من شط العرب إلى الكويت.
يشيد كتاب الحمد عن دخيل الرشيد بالحاج محمد المتروك، وخلقه الرفيع، وتواضعه مع الجميع، وحُبه للخير، فالكثير من الأُسر والتجار أعانهم محمد المتروك بعد أن مرّوا بمحِن شديدة، ومنهم مَنْ رهنوا بيوتهم وتهدَّمت في «سنة الهدامة» (ص 53). ويقول الحمد: «كان الحاج محمد المتروك مثقفاً أديباً، أتقن أكثر من لغة، الإنكليزية، والهندية، والفارسية، علاوة على لغته العربية» (ص 52).
كان المتروك تاجراً بارزاً في مجاله، وكان يمتلك عدداً من السفن، مثل: بوم «ممتاز» الذي اشتهر بكبر حجمه، وبوم غانم، وبوم سالمين، وبوم عبدالكريم، إلى جانب سفن أخرى.
ويضيف الحمد أن الحاج المتروك له «دفاتر نوخذة» باسمه، وقد تنخوذ على سفن أبيه، وكذلك السفن التابعة له. ولم يستمر بالتنوخذ إلا فترة قصيرة، وكان جُلُّ عمله بالتجارة، وتقلَّد عضوية غرفة التجارة في البصرة سنة 1939 قبل أن تتأسس الغرفة بالكويت.
ومن المعروف من مراجع شتى أن الكويتيين من المهتمين عادةً بالشؤون الثقافية والنشر والتعليم نقلوا معهم هذه الميول الإيجابية إلى عدة مهاجر ومحال العمل والتجارة في آسيا وإفريقيا، وخاصة الهند. وقد أسهموا- كما يقول د. خليفة الوقيان- في تأسيس المدارس العربية والإسلامية والنوادي الأدبية والاجتماعية في البلدان التي أقاموا فيها، من أجل العمل أو التجارة. فقد اشترك خالد الفرج في تأسيس النادي العربي في بومباي، المدينة الهندية التي أقام فيها من عام 1917 إلى 1922. وتولَّى الشيخ عبداللطيف آل عبدالرزاق رئاسة النادي الذي أُسس في بومباي. وقام الحاج خالد عبداللطيف الحمد بتأسيس نادٍ أدبي في عدن عام 1925.
ومن الأمور اللافتة للنظر، يقول د. الوقيان إن «أحد التجار المثقفين الكويتيين المقيمين في الهند، وهو الحاج صالح الشايع، بذل جهوداً مضنية، وذلل صعاباً شتَّى لإقناع المسلمين الهنود بالسماح لبناتهم بتلقي العلم في المدارس التي تبرَّع بإنشائها لهم»! (الثقافة في الكويت، د. خليفة الوقيان، آفاق للنشر، دولة الكويت، 2025). وكانت التيارات الدينية في دولٍ عربية وإسلامية كثيرة تشن الحملات وتصدر الفتاوى ضد التعليم النظامي للمرأة والفتيات عموماً. ونُطالع أخيراً ما يورد المؤلف من معلومات في وثائق دخيل الرشيد عن زميله التاجر المعروف محمد العبدالله المتروك، شريك التاجر عبدالمحسن الناصر الخرافي.
كانت للمتروك عدة مراكز تجارية تمتد بين الكويت والبصرة والأحواز والبحرين والهند. وامتدت شراكاته التجارية إلى التاجر علي حمود الشايع في بومباي، والتاجر فهد المرزوق في كراتشي، وإلى كثيرين غيرهما. لكن شراكة التاجر المتروك مع ناصر عبدالمحسن الخرافي كانت الأطول والأشهر، والتي كان يُضرب بها المثل في الإخلاص والثقة المتبادلة، واستمرَّت لتشمل امتداداً بلغ ستين عاماً.
وللرجلين، المتروك، والخرافي- فيما يبدو- دور وسبق في مجال البناء والمعمار. يقول الحمد إن الشريكين المتروك والخرافي «شيَّدا أول عمارة تُعد من أوائل المباني التي بُنيت من الخرسانة المسلحة»، أي باستخدام الحديد والكونكريت.