هل نستيقظ قبل فوات الأوان؟ تعيش الكويت اليوم أخطر لحظة استراتيجية منذ عقود. المنطقة تغلي، والتحالفات تتغيَّر، وموازين القوى تُعاد صياغتها بالقوة العسكرية والضغوط الاقتصادية، فيما لا يزال البعض يتعامل مع الواقع وكأن شيئاً لم يتغيَّر. 

السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل هناك خطر؟ السؤال الحقيقي هو: ماذا ننتظر أكثر حتى نعترف بحجم الخطر؟ هل ننتظر أزمة أكبر؟ هل ننتظر أن تتعطَّل الموانئ والمطارات وسلاسل الإمداد؟ هل ننتظر أن تتحوَّل الكويت إلى جزءٍ من معادلة صراع إقليمي لا تملك قرار إشعاله ولا قرار إيقافه؟ أم ما زلنا نعيش في وَهم أن ما يجري حولنا مجرَّد عاصفة عابرة؟ 

لقد جاء الاعتداء الأخير الذي استهدف محيط مطار الكويت الدولي كرسالة قاسية لكل مَنْ يعتقد أن الجغرافيا تحمي وحدها، أو أن النيران المشتعلة حولنا لن تصل إلينا. 

Ad

بغض النظر عن حجم الأضرار، فإن الدلالة السياسية والأمنية للحادثة أكبر من أي خسائر مادية. فالرسالة واضحة: الكويت ليست بمنأى عن التهديدات الإقليمية، وأي قراءة سطحية لما يجري ستكون خطأً استراتيجياً فادحاً. 

ومن المؤسف أن البعض لا يزال يفكر بعقلية التسعينيات، فيما العالم دخل مرحلة جديدة بالكامل. فما كان يصلح قبل عشرين عاماً لم يعد صالحاً اليوم. المنطقة تواجه مشاريع نفوذ وصراعات دولية مفتوحة، والدول التي لا تُعيد صياغة عقيدتها السياسية والأمنية تجد نفسها لاحقاً ضحية للمتغيرات، لا شريكاً في صناعتها. 

ومن أكبر الحقائق التي يجب قولها بصراحة أن بعض دوائر القرار في واشنطن لم تعد تتعامل مع دول الخليج كحلفاء متساوين، بل كأدوات ضمن شبكة المصالح الأميركية. فعندما ترتفع احتمالات الحرب ترتفع معها أرباح شركات السلاح، وتتضاعف العقود العسكرية، وتتحوَّل المنطقة إلى سوق مفتوح للخوف والتوتر. 

في كثيرٍ من الأحيان يبدو أن المطلوب من دول الخليج أن تدفع الفاتورة، فيما يحصد الآخرون المكاسب. لذلك، فإن الرهان المُطلق على أي قوة دولية، مهما كانت مكانتها، لم يعد سياسة حكيمة، بل أصبح مخاطرة استراتيجية. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الخطر الإيراني، الذي أثبت خلال العقود الماضية أنه مصدر دائم للتوتر وعدم الاستقرار في المنطقة. فالمشكلة ليست فقط في التصريحات، بل في السلوك السياسي والأمني الذي جعل الخليج يعيش في حالة استنزاف دائم. لهذا كله، تحتاج الكويت اليوم إلى سردية وطنية جديدة. سردية تنطلق من مصلحة الكويت أولاً وأخيراً. سردية تؤمن بأن الكويت ليست ورقة تفاوض بين واشنطن وطهران، وليست قاعدة متقدمة لمشاريع الآخرين، وليست وقوداً لحروب لا تخدم مصالح شعبها. نحتاج إلى تنويع التحالفات الدولية، والانفتاح على القوى الصاعدة في آسيا وأوروبا، وتعزيز الأمن الغذائي والمائي والطاقة، وتقوية الاقتصاد الوطني، وبناء جبهة داخلية متماسكة قادرة على الصمود أمام أي هزة إقليمية قادمة. لقد علَّمتنا تجربة الغزو العراقي أن الدول لا تُحمى بالشعارات، وعلَّمتنا أزمات المنطقة أن التحالفات ليست أبدية، وعلَّمتنا التطورات الأخيرة أن الاطمئنان الزائف قد يكون أخطر من التهديد نفسه. 

الكويت لا تحتاج إلى المزيد من الانتظار. الكويت تحتاج إلى صحوةٍ استراتيجية شاملة. فالدول الذكية تستعد للخطر قبل أن يصل. أما الدول التي تتجاهل الإشارات المبكرة، فإنها تكتشف الحقيقة دائماً بعد فوات الأوان.