ماذا لو كان أكبر مصدر للقيمة المضافة في القطاع النفطي الكويتي لا يكمن في اكتشاف حقل جديد أو رفع الطاقة الإنتاجية أو ارتفاع أسعار النفط، بل في تحسين طريقة اتخاذ القرار الاستثماري؟
قد يبدو هذا السؤال غير مألوف في صناعة اعتادت قياس النجاح بعدد البراميل والإيرادات وحجم الاستثمارات، إلا أن التجارب العالمية أثبتت أن الفارق بين المؤسسات الجيدة والمؤسسات الاستثنائية لا تصنعه الموارد وحدها، بل جودة الحوكمة وكفاءة تخصيص رأس المال.
تملك الكويت واحدة من أكبر القواعد النفطية والاستثمارية في المنطقة، مع محفظة استثمارية مستقبلية للقطاع النفطي تقدر بنحو 410 مليارات دولار حتى عام 2040، إضافة إلى خبرات وطنية تراكمت عبر عقود طويلة في مختلف حلقات الصناعة النفطية، لكن القيمة النهائية لهذه الاستثمارات ستتحدد بقدرة المنظومة على توجيه رأس المال نحو المشاريع الأعلى عائداً والأكثر قدرة على خلق قيمة اقتصادية مستدامة.
ومن هنا يبرز السؤال الاستراتيجي الأهم: هل تحقق الكويت أقصى قيمة ممكنة من كل دولار تستثمره؟
فرصة اقتصادية قائمة بالفعل
تشير الدراسات الدولية إلى أن تحسين كفاءة تخصيص رأس المال بنسبة متحفظة تتراوح بين%2 و%5 فقط يمكن أن يرفع القيمة الاقتصادية للمحافظ الاستثمارية الكبرى بصورة ملموسة. وعند تطبيق هذه النسبة على محفظة استثمارية تقدر بنحو 410 مليارات دولار، فإن القيمة الإضافية المحتملة قد تتراوح بين 8 و20 مليار دولار.
وهذه القيمة لا تتطلب اكتشافات جديدة أو ارتفاعات استثنائية في أسعار النفط، بل إدارة أكثر كفاءة للموارد المتاحة. وللمقارنة، فإن قيمة بهذا الحجم قادرة على تمويل مشاريع استراتيجية وتنموية كبرى أو تعزيز الاستثمار في البنية التحتية والتعليم ورأس المال البشري دون تحمل مخاطر استثمارية إضافية.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما نعلم أن الإيرادات النفطية شكلت نحو%87.8 من إجمالي إيرادات الدولة خلال السنة المالية 2024-2025. وعندما يعتمد اقتصاد بهذا الحجم على قطاع واحد، فإن كفاءة إدارة هذا القطاع تصبح قضية ترتبط مباشرة بالمالية العامة والنمو الاقتصادي والاستدامة طويلة الأجل.
الحوكمة ليست إجراءً إدارياً
خصصت شركة نفط الكويت وحدها نحو 9.8 مليارات دينار لمشاريع تطوير الحقول والحفر والاستكشاف حتى عام 2030، منها نحو 1.2 مليار دينار لأعمال الاستكشاف.
هذه الأرقام تعكس طموحاً مشروعاً وثقة بمستقبل القطاع، لكنها تطرح سؤالاً جوهرياً: من يضمن أن كل دينار من هذه المليارات يتجه فعلاً إلى المشروع الأعلى قيمة والأفضل عائداً؟
في قطاع الطاقة الحديث لا يقاس النجاح بحجم الإنفاق الرأسمالي، بل بقدرة الإدارة على تحويل الإنفاق إلى قيمة اقتصادية مستدامة. ولهذا أصبح العائد على رأس المال المستخدم (ROACE) أحد أهم المؤشرات التي تعتمدها شركات الطاقة العالمية لقياس جودة القرارات الاستثمارية.
أين تتسرب القيمة؟
لا تواجه المؤسسات الكبرى عادة مشكلة نقص الموارد بقدر ما تواجه تحديات تشتت القرار وتداخل الصلاحيات.
وتظهر تكلفة ذلك في ثلاثة مجالات رئيسية: تأخير المشاريع وما يترتب عليه من ارتفاع الكلفة وتأجيل التدفقات النقدية، والازدواجية التشغيلية والإدارية الناتجة عن تعدد الجهات المعنية بالتخطيط والتنفيذ، وضبابية المساءلة التي تجعل تحديد المسؤولية عن النجاح أو الإخفاق أكثر صعوبة.
لكن الخسارة الأكبر غالباً تتمثل في تكلفة الفرصة البديلة، فكل مليار دولار يوجه إلى مشروع منخفض العائد يعني حرمان مشروع آخر أكثر جدوى من التمويل.
ماذا تخبرنا التجارب العالمية؟
التاريخ الحديث لصناعة الطاقة يقدم أدلة واضحة على أن الحوكمة ليست مفهوماً نظرياً، بل أداة مباشرة لصناعة القيمة.
ففي Saudi Aramco تجاوز العائد على رأس المال المستخدم في العديد من السنوات مستوى%20، إلى جانب احتفاظ الشركة بإحدى أدنى تكاليف الإنتاج عالمياً. ولا يمكن تفسير هذه النتائج بالموارد الطبيعية وحدها، بل أيضاً بوحدة القرار الاستثماري والتكامل المؤسسي ووضوح المسؤولية.
أما ExxonMobil فقد حققت بعد عمليات الدمج وإعادة الهيكلة وفورات تشغيلية بمليارات الدولارات نتيجة إزالة الازدواجية وتبسيط منظومة اتخاذ القرار.
وفي Equinor نجحت الشركة في تعزيز كفاءة رأس المال وتحسين العوائد من خلال ربط الحوكمة بالأداء الاقتصادي المباشر والمساءلة الواضحة.
ورغم اختلاف البيئات التنظيمية بين هذه الشركات، فإن العامل المشترك بينها كان واحداً: قيادة موحدة، ورؤية استثمارية موحدة، ومسؤولية واضحة عن النتائج.
من الفكرة إلى التنمية الوطنية
لا تعاني الكويت من نقص الموارد أو ضعف الإمكانات أو محدودية الخبرات، فالقطاع النفطي الكويتي يمتلك احتياطيات ضخمة، وقاعدة مالية قوية، وكفاءات وطنية متميزة، وتجربة طويلة في إدارة مختلف حلقات الصناعة النفطية.
ومن هنا فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في حجم الموارد المتاحة، بل في كيفية تنظيمها وتوجيهها لتحقيق أعلى قيمة اقتصادية ممكنة، فكل تحسن في كفاءة إدارة رأس المال داخل القطاع النفطي يمتد أثره إلى المالية العامة والاستثمار التنموي وقدرة الدولة على تمويل أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل.
المليارات القادمة قد لا تكون تحت الأرض
في اقتصاد يعتمد على النفط لتوليد معظم إيراداته العامة، فإن تحسين كفاءة تخصيص رأس المال لم يعد قضية إدارية داخل القطاع النفطي فحسب، بل قضية ترتبط بكفاءة الاقتصاد الوطني بأكمله.
فالقيمة المحتملة التي يمكن تحقيقها من خلال تحسين الحوكمة قد تعادل عوائد سنوات من الاستثمارات الجديدة أو تكلفة تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى، دون تحمل مخاطر جيولوجية أو تمويلية إضافية.
وقد تكون أكبر فرصة اقتصادية أمام الكويت خلال العقدين المقبلين غير مرتبطة باكتشاف حقل جديد، بل باكتشاف طريقة أفضل لإدارة ما تملكه بالفعل من موارد ورأسمال واستثمارات.
فالتاريخ الاقتصادي لا يتذكر دائماً الدول التي امتلكت أكبر الموارد، بل الدول التي أحسنت إدارة تلك الموارد وحولت ثرواتها إلى قيمة مستدامة.
لماذا الآن؟
تزداد أهمية هذا النقاش مع دخول القطاع النفطي الكويتي واحدة من أكبر المراحل الاستثمارية في تاريخه، حيث تشمل الخطط الحالية مشاريع التوسع في الإنتاج، وتطوير الغاز الحر، والتكرير، والبتروكيماويات، باستثمارات تقترب من 410 مليارات دولار حتى عام 2040.
وفي مثل هذه المراحل لا يكون الفارق الحقيقي في حجم الإنفاق، بل في جودة القرارات التي توجه هذا الإنفاق. فحتى التحسن المحدود في كفاءة تخصيص رأس المال أو سرعة تنفيذ المشاريع أو وضوح المساءلة يمكن أن ينعكس على مليارات الدولارات من القيمة الاقتصادية المضافة.
ولهذا لم تعد الحوكمة قضية تنظيمية داخلية، بل أصبحت عاملاً اقتصادياً مؤثراً في تعظيم العائد الوطني من كل دولار يُستثمر في القطاع.
الخلاصة: القيادة الموحدة ليست خياراً تنظيمياً بل ضرورة اقتصادية
ومع اقتراب حجم الاستثمارات النفطية المخطط لها من 410 مليارات دولار حتى عام 2040، يصبح السؤال الاستراتيجي الأهم ليس كم سنستثمر، بل كيف نضمن أن كل دولار مستثمر يحقق أعلى قيمة ممكنة للدولة والأجيال القادمة.
ومن هذا المنطلق فإن تعظيم القيمة الاقتصادية للقطاع النفطي يتطلب الانتقال من نموذج الشركات المتعددة ذات الأولويات المتباينة إلى نموذج منظومي متكامل يقوم على:
• مجلس إدارة موحد يقود المنظومة النفطية بالكامل وفق رؤية استراتيجية واحدة.
• رئيس تنفيذي للمجموعة يتحمل المسؤولية المباشرة عن الأداء الكلي للقطاع وربط النتائج بالأهداف الوطنية.
• استراتيجية استثمارية موحدة لتخصيص رأس المال على مستوى المنظومة بأكملها وليس على مستوى كل شركة بصورة منفصلة.
• إطار حوكمة موحد يربط السلطة بالمسؤولية والقرار بالمحاسبة والإنفاق بالعائد.
• منظومة مؤشرات أداء مالية وتشغيلية موحدة تطبق على جميع الشركات التابعة دون استثناء.
ويجب أن ترتبط عملية التقييم والمساءلة بصورة مباشرة بمؤشرات أداء محددة وقابلة للقياس، من أبرزها:
• العائد على رأس المال المستخدم (ROACE).
• العائد على الاستثمار (ROI).
• القيمة الاقتصادية المضافة (EVA).
• التدفقات النقدية الحرة (Free Cash Flow).
• الالتزام بالميزانيات الرأسمالية المعتمدة.
• سرعة تنفيذ المشاريع الاستراتيجية.
• خفض الازدواجية والتكاليف التشغيلية.
• القيمة المتحققة لكل دولار مستثمر.
فالقاعدة الإدارية التي تحكم المؤسسات الاستثنائية بسيطة وواضحة:
ما لا يُقاس لا يُدار، وما لا يُدار لا يتحسن، وما لا يخضع للمساءلة لا يحقق قيمة مستدامة.
ولهذا فإن أكبر فرصة اقتصادية أمام القطاع النفطي الكويتي هي بناء منظومة موحدة للقيادة والحوكمة تجعل كل قرار استثماري قابلاً للقياس، وكل مسؤولية قابلة للمحاسبة، وكل دولار قادراً على تحقيق أعلى عائد ممكن.
وعندها فقط لن يُقاس نجاح القطاع بحجم ما أنفقه، بل بحجم القيمة التي خلقها للاقتصاد الوطني.
* باحث في الشؤون النفطية والاقتصادية