ما لم تخرج الإدارة الأميركية على العالم بمفاجآت غير متوقعة، يتجه المشهد في الشرق الأوسط إلى مرحلة إعادة تشكيل لطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية. إذ يبدو أن الملف النووي لم يعد محور التفاوض الوحيد، بل أصبح جزءاً من منظومة أوسع تشمل اعتبارات اقتصادية وجيوسياسية وأمنية مترابطة. ويعكس هذا التحول انتقالاً تدريجياً من السعي إلى الحسم النهائي إلى اعتماد نهج يقوم على إدارة التوترات وضبطها ضمن مستويات تمنع انفجارها إلى صراع شامل.
في هذا السياق، لم تعد القضايا المطروحة تقتصر على الملفات العسكرية، بل امتدت لتشمل أمن الممرات البحرية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، إضافة إلى أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، فضلاً عن النفوذ الإقليمي الإيراني في عدد من الساحات. وقد تحولت هذه العناصر إلى منظومة واحدة أثرت في توازنات الإقليم وأعادت تشكيل أدوات التأثير بين القوى الفاعلة.
يمكن تفسير هذا التحول عبر اتجاهين متناقضين. الأول يرى أنه يعكس مقاربة أميركية براغماتية تهدف إلى إدارة التوتر بدلاً من إنهائه، بما يقلل كلفة الانخراط العسكري المباشر، مع الحفاظ على قدرة واشنطن على التأثير في توازنات المنطقة مستقبلاً. أما الاتجاه الثاني فيربط هذا التطور بقدرة إيران -المفاجئة وغير المتوقعة- على استخدام موقعها الجغرافي ونقاط الضغط الاستراتيجية، خصوصاً في مجالي الطاقة والملاحة، بما منحها قدرة تفاوضية غير مباشرة وفاعلة.
ينعكس كل ذلك بشكل مباشر على دول الخليج التي وجدت نفسها في بيئة إقليمية أكثر تعقيداً، وتتسم بارتفاع مستوى عدم اليقين وتعدد مصادر الضغط، ما يجعل التنبؤ بالمسارات المستقبلية أكثر صعوبة.
تزداد حساسية هذا الوضع مع استمرار إدارة التوترات دون معالجة جذورها الأساسية، الأمر الذي قد يؤدي إلى استقرار هش قابل للاهتزاز عند أي اضطراب في ممرات الطاقة أو بؤر التوتر غير المباشر. كما أن السلوكيات الإيرانية المرتبطة بالضغط المباشر وغير المباشر عبر أدوات إقليمية تزيد من مستوى التوتر، وتضيف طبقة جديدة من التعقيد على معادلات الردع والاستقرار.
هذا الواقع المعقّد، يفرض على دول الخليج تعزيز موقفها داخل معادلة القوة الإقليمية، بحيث تتحول تدريجياً من طرف متأثر إلى طرف مؤثر، بالاعتماد على أدواتها الاقتصادية ومواردها الطاقوية وموقعها الجغرافي. ولا شك أن تنويع الشراكات الدولية وتوسيع نطاق العلاقات الخارجية يشكلان عاملين أساسيين في تقليل المخاطر وتعزيز القدرة على المناورة.
ويبرز في هذا الإطار دور الدبلوماسية الاقتصادية كأداة داعمة للاستقرار، من خلال الاستثمار في البنية التحتية للطاقة، وتطوير شبكات النقل والربط اللوجستي، وتعزيز التجارة العابرة للحدود، بما يخلق شبكة مصالح تقلل من احتمالات التصعيد.
في المحصلة، يتجه الإقليم نحو حالة رمادية ممتدة تُدار فيها الأزمات دون حسم نهائي، ضمن توازن هش بين التصعيد والتهدئة، ليظل الواقع أقرب إلى معادلة مفتوحة لا تستقر على قرار. فأعاننا الله على «حرب ما تصفّي... وصلح ما يِطَمّن».
* كاتب ومستشار قانوني