عندما يستيقظ رجل في خريف عمره كل صباح بعين الفنان، ودقة الحرفي، وانضباط المحارب، فإنه يبرهن أن الشغف الحقيقي لا يشيخ، وأن العطاء لا تحده سنوات العمر. فقد كرّس عشرات الأعوام لإتقان شيء واحد: الجودة المثمرة.
ولعل السر لا يكمن في الجودة ذاتها، بل في الفلسفة التي تقود إليها، فلسفة تقوم على الإيمان بأن النظام والتفاصيل هما الطريق إلى الجودة، وحب العمل حتى يصبح جزءاً من الذات، فضلاً عن السعي الدائم نحو الكمال، وإن بدا مستحيلاً، إضافة إلى إتقان الأساسيات قبل البحث عن الإبداع، مع تحويل القيود والتحديات إلى مساحة للتميز، ثم تحمّل المسؤولية كاملة تجاه العمل ونتائجه.
هذه الرحلة تختصرها حكمة يابانية خالدة تقول:"الإتقان لا تكفيه موهبة تولد بها، بل يحتاج إلى حب وصبر ومثابرة لا تتوقف".
وفي نهاية المطاف، قد لا يبلغ الإنسان الصورة المثالية التي رسمها لنفسه، لكن عند الله لا يضيع له جهد ولا يخيب له سعي. فالله سبحانه وتعالى يجازي على النيات الصادقة والعمل المخلص، حتى وإن حالت الظروف دون اكتمال المسيرة أو بلوغ الغاية المنشودة.
فلا تبتئس إن لم تصل إلى ما تمنيت من أعمال الخير والإصلاح، فجهدك محفوظ عند رب لا يضيع عنده مثقال ذرة، قال تعالى:
﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: 30]. وقال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
ومن هنا، فإن الإتقان المثمر ليس مرحلة عابرة، بل قصة عمر لا تعرف التقاعد. وقصة اليوم ستجعلك تؤمن بأن أجمل الأساطير تبدأ من مكان صغير نحوله أوسع، ومن عمل متكرر نجعله أمتع، ومن شغف لا يشيخ ننشئه أبدع مهما امتد به العمر.