جاء قرار مجلس الوزراء بإعادة دمج الهيئة العامة للشباب مع الهيئة العامة للرياضة ليضع حداً لتجربة إدارية لم تحقق الأهداف التي أُنشئت من أجلها، وليصحح مساراً كان من الأولى عدم الانحراف عنه منذ البداية، فالهيئتان وُلدتا أساساً من رحم مؤسسة واحدة تخدم قطاعين متداخلين ومتلازمين، إذ لا يمكن الحديث عن رياضة ناجحة دون قاعدة شبابية قوية، كما أن النشاط الشبابي في جانب كبير منه يرتبط بالحركة الرياضية ومؤسساتها وبرامجها.
وعلى امتداد السنوات الماضية، لم يثبت فصل الهيئتين وجود مكاسب حقيقية تبرر استمرار هذا الوضع. بل على العكس، ظهرت العديد من الإشكالات الناتجة عن تداخل الاختصاصات وتشابك المسؤوليات بين الجهتين، ما أدى في كثير من الأحيان إلى بطء الإجراءات وضبابية الأدوار وتكرار بعض المهام والبرامج التي كان يمكن إدارتها من خلال مظلة واحدة أكثر كفاءة وانسجاماً.
ومن أبرز السلبيات التي صاحبت تجربة الفصل ما يتعلق بالجانب المالي والإداري، حيث أفرزت التجربة هياكل تنظيمية متشابهة ووظائف ومناصب قيادية وإشرافية إضافية لم تكن الحاجة الفعلية تستدعي وجودها، كما أصبحت الميزانيات تتوزع بين جهتين تعملان في قطاع واحد، الأمر الذي أدى أحياناً إلى تقليص مخصصات جهة لصالح الأخرى دون أن ينعكس ذلك على جودة الخدمات أو حجم الإنجاز بالشكل المأمول.
والأهم من ذلك أن السنوات التي أعقبت الفصل لم تقدم دليلاً عملياً على أن وجود هيئتين منفصلتين أسهم في تطوير القطاع الشبابي أو الرياضي بصورة ملموسة تفوق ما كان يمكن تحقيقه من خلال هيئة موحدة. لذلك فإن إعادة الدمج لا يمكن النظر إليها باعتبارها مجرد تغيير إداري، بل خطوة تصحيحية تستهدف رفع كفاءة العمل الحكومي وترشيد الإنفاق وتوحيد الرؤية والاستراتيجية الخاصة بالشباب والرياضة.
كما أن قرار الدمج يمثل فرصة مهمة أمام وزير الدولة لشؤون الشباب الدكتور طارق الجلاهمة، وهو أحد أبناء الوسط الرياضي العارف بتفاصيله وتحدياته، لإعادة ترتيب البيت من الداخل وتشكيل فريق العمل الذي يتوافق مع رؤيته ومتطلبات المرحلة المقبلة، فالهيكل الجديد يمنح مساحة أكبر لاختيار الكفاءات وتوزيع الاختصاصات بصورة أكثر مرونة فاعلية، بعيداً عن التعقيدات والازدواجية التي فرضتها مرحلة الفصل، بما يساهم في بناء منظومة أكثر قدرة على الإنجاز وتحقيق الأهداف المنشودة للشباب والرياضة، فالغاية ليست جمع مؤسستين تحت اسم واحد فحسب، بل تأسيس منظومة أكثر قدرة على خدمة الشباب والرياضة وتحقيق الأهداف التنموية التي ينتظرها الجميع.
بنلتي
بعض القرارات قد تأتي متأخرة، لكنها عندما تعيد الأمور إلى أصلها الصحيح وتضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الأخرى، فإنها تستحق الدعم والمساندة، لأن النجاح الحقيقي يقاس بالنتائج لا بعدد الهياكل والمسميات.