من أفسد فعليه أن يتحمل تبعات إفساده، ومن ألحق الضرر بغيره فليتكبد فاتورة ما اقترفت يداه... بغير هذه القاعدة لا تستقيم العدالة بين الأفراد، ولا حتى بين الدول، وهي القاعدة التي ينبغي أن تحكم مقاربتنا للملف الإيراني الذي بلغ من التعقيد والتجاوز حداً لم يعد ممكناً معه تجاهل كلفته الباهظة على الكويت ودول الخليج العربي.

فإذا كانت الكويت، ومعها دول الخليج، قد دفعت ولا تزال تدفع أثماناً باهظة من أمنها واستقرارها ومقدراتها وهي تتعامل مع سياسات النظام الإيراني الحمقاء ومغامراته العسكرية، والذي لم يجد ساحة للرد على الضربات التي تلقاها من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني سوى محيطه الخليجي ومنشآته الحيوية ومطاراته وبنيته التحتية، فإن الوقت قد حان لوضع هذا الملف في موضعه الصحيح، عبر إطار من المسؤولية والمحاسبة والتعويض؛ فلم يعد هناك ما يبرر إعفاء هذا النظام من تحمل كلفة ما تسبب به من أضرار وخسائر لدول المنطقة، وفي مقدمتها الكويت.

والمفارقة أن دول الخليج لم تكن يوماً في موقع الساعي إلى المواجهة مع إيران، بل بذلت جهوداً متواصلة لتجنيب المنطقة ويلات الصراع، وعارضت استخدام أراضيها منطلقاً لأي عمل يستهدفها، وسعت إلى تغليب لغة الحوار والحلول الدبلوماسية، غير أن هذه المواقف لم تُقابل بما تستحقه من تقدير، بل لم تقابل بغير الإساءة والتمادي، ومن يجعل المعروف في غير أهله يكن حمده ذماً عليه ويندم، واستمرت التجاوزات والتصرفات التي ألحقت أضراراً مباشرة وغير مباشرة بمصالح دولنا وأمنها الوطني.

Ad

لذلك لم يعد هناك من مناص، ولا حتى من مبرر سياسي أو قانوني، لعدم مطالبتنا لإيران بدفع تعويضات على غرار التعويضات التي حصلنا عليها من العراق عقب الغزو الصدامي الغاشم، وذلك عن الأضرار والخسائر التي لحقت بمصالحنا الوطنية نتيجة الانتهاكات والاعتداءات التي مست سيادتنا وأمننا واستقرارنا.

لقد عانت الكويت ولا تزال من تداعيات أمنية وخسائر اقتصادية كبيرة نتيجة الأحداث العسكرية التي امتدت آثارها إلى مجالها الجوي ومطاراتها ومنشآتها الحيوية ومرافقها الاقتصادية والخدمية وبنيتها التحتية، كما تكبدت أعباء إضافية لتعزيز إجراءات الأمن والسلامة، فضلاً عن تحملها تداعيات اضطرابات حركة النقل الجوي والتجاري وما نتج عنها من خسائر مباشرة وغير مباشرة. 

وإذا كانت الأمم المتحدة قد أرست، عبر تجارب دولية متعددة، مبدأ التعويض عن الأضرار الناجمة عن العدوان أو انتهاك السيادة، فإن الكويت ليست بصدد المطالبة بامتياز استثنائي أو معاملة خاصة، بل بحق أصيل تقره قواعد القانون الدولي وتدعمه سوابق عديدة في العلاقات بين الدول؛ فالعدالة لا تكتمل بمجرد وقف الضرر، وإنما تقتضي أيضاً جبره وتعويض المتضررين منه.

ومن هنا بات مستحقاً علينا في الكويت، ولا سيما بعد التصريحات الأخيرة لوزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بشأن ضرورة تعويض إيران للدول المتضررة من سياساتها في المنطقة، نقول بات مستحقاً أن نمضي قدماً في هذا الملف، وأن ننضم إلى الجهود الخليجية الرامية إلى تثبيت هذا الحق والدفاع عنه عبر المسارات القانونية والدبلوماسية المتاحة.

ولا ينبغي أن تُفهم المطالبة بالتعويض على أنها دعوة إلى التصعيد أو تأجيج الخلافات، بل هي مسار مشروع لحماية الحقوق الوطنية وترسيخ مبدأ المساءلة واحترام القانون الدولي؛ فاستقرار المنطقة لا يتحقق إلا عندما تدرك جميع الأطراف أن سيادة الدول وأمنها ومصالحها ليست أموراً قابلة للتفريط فيها أو المساومة عليها أو التجاوز بحقها، وأن أي ضرر يقع خارج حدود النزاعات المباشرة يجب أن يقابله إنصاف وجبر للضرر ومحاسبة للمسؤول عنه.