السيناريو نفسه يتكرر، أميركا تقصف إيران، فترد طهران بقصف الكويت، وأكد ترامب ذلك ردّاً على سؤال عن قصف الكويت (يوجد سبب لكل شيء، وقد قصفناهم بقوة، وكان هذا ردُّهم)، فلم يُخطِّئ ترامب إيران ولم يهددهم ولم يتوعدهم، ولم يقل إن الكويت لم تعتدِ عليهم، فلماذا يردون بقصف الكويت؟ لكنه أثنى على قادة إيران - في مقابلة أخرى بعد يوم واحد - فقال جواباً عن سؤال: لماذا لم يوقّع الإيرانيون الصفقة حتى الآن، فقال: «لأن قادتهم أقوياء وهم أصحاب فخر».

أما كلام وزير الخارجية الأميركي عن أمن الكويت بعد زيارة وزير خارجية الكويت، قبل أيام، فقد تكرر من القيادات الأميركية مرّات كثيرة، فما هو الجديد إذاً؟

الجديد هو صفقة الأسلحة الأميركية للكويت بقيمة 1.98 مليار دولار، التي أعلن عنها أمس، وهكذا يكتمل السيناريو، فتبدأ أميركا بقصف إيران، فتردّ طهران بقصف الكويت، فتردّ الكويت بشراء مزيد من الأسلحة من أميركا، ومن المعروف أن أكبر المستفيدين من الحرب الأميركية - الإيرانية حتى الآن هم مصانع الأسلحة وتجارها، وهم أكبر داعم وممول لترامب وحزبه الجمهوري.

Ad

وهذا السيناريو يفتح الباب لتساؤل مطروح حالياً، هو: هل يجوز لأي دولة أن تتخلى عن التزاماتها وعقودها وعهودها التي عقدتها مع دولة أخرى بشكل قانوني سليم وبصفة الديمومة، فتقوم بسحبها وإلغائها أو بتسليط العدو عليها كلما أرادت، دون وجود سبب قانوني؟!

هذه المعاهدات التي تعقدها الدول تؤدي إلى الأمان والاستقرار، وبالتالي الالتفات إلى الاستثمار والتنمية والتعاون بينها في مجالات أخرى، وهي مطمئنة أن لهذه المعاهدات صفة الديمومة، أما إلغاؤها والالتفاف عليها فيؤديان إلى عكس ذلك تماماً.

وليس هذا المبدأ محصوراً على العهود بين الدول، لأن كثيراً من الفقهاء الدستوريين والقانونيين يرون أنه يُطبّق على القرارات والقوانين التي تصدر للمواطنين أيضاً، فإنها إذا كانت صالحة قانونياً وليس فيها فساد أو بطلان، وكانت دائمة، أي لم يُنَصّ على توقيت العمل بها، فإنها تكون بمنزلة العهد القانوني، فيترتب عليها حقوق وتؤدي إلى الاطمئنان والانتماء والاستقرار والانطلاق نحو العمل والإنتاجية، بينما يؤدي سحبها إلى الضرر بمن عهدت إليه، بعد أن رتّبوا حياتهم على أساسها، وهذا الوضع يُعرف قانونياً بالأمن القانوني، وهو من المبادئ الأساسية في الدول المتقدمة، وتحكم بها المحاكم، فتقضي بإلغاء القرارات إذا خالفت مبدأ الأمن القانوني.

وفي الشريعة الإسلامية صح عن النبي، صلى الله عليه وسلم، أنه التزم بكل العهود التي عقدها مع الكفار ومع أهل الذمّة في المدينة، ولم ينقضها حتى نقضوها هم وخانوا المسلمين. ويقول الله تعالى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»، ويقول سبحانه «وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا»، ويقول النبي، صلى الله عليه وسلم «المسلمون على شروطهم» (ابن عثيمين).

إذاً، فلا تصح العودة عن الاتفاقيات والعهود والقرارات الصحيحة بين الدول إذا عُقدت بشكل سليم وكانت غير فاسدة ولا باطلة، وتتمتع بصفة الديمومة، لأن ذلك يُعدّ إخلالاً بالعهود الدولية، وهو كذلك إخلال بالأمن القانوني إذا كانت هذه العهود ضمن الدولة ذاتها.