كانت رحلتي الأولى إلى منطقة عسير وبشكل عام إلى المملكة العربية السعودية الشقيقة، وهي تجربة استثنائية خضتها لأول مرة استقرت في الذاكرة ولن تُنسى، حيث انطلقت الفكرة من الكويت برغبة شغوفة لزيارة هذه المنطقة التاريخية بهدف تغطية التراث الثقافي والزاخر للمملكة، واستكشاف أحد أبرز مواقعها الأثرية النابضة بالحياة والتعرف على تاريخها العميق، مع مجموعة من المهتمين.
حين وصولي، غمرني أهل المملكة بترحيب حافل وكرم ضيافة أصيل يعكس شيم الاستقبال السعودي، وكنت توّاقة حقاً لرؤية القرية التراثية الواقعة في قلب جبال السروات الشاهقة والتي تبلغ قممها نحو ثلاثة كيلومترات فوق سطح البحر، وهي حقيقة جوهرة فريدة يفوق عمرها الـ 900 عام.
واللافت للنظر أن اسم القرية «رُجال ألمع» يُنطق بضم الراء ليشير إلى بلدة رُجال التاريخية الشهيرة، والتي تُعد الحاضرة والقرية المركزية الأبرز في جنوب الجزيرة العربية، حيث تأسر الناظر بتفاصيلها المعمارية الحجرية الملونة وفنونها العريقة المحاطة بطبيعة بكر وجبال مهيبة جميلة للتأمل.
بين هيئة التراث السعودية والمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي
وكان في مقدمة مستقبلينا مدير مكتب هيئة التراث في محافظة رٌجال ألمع- السيد فايع عيسى عسيري، الذي استقبلنا بكل كرم وحفاوة بالغة، ومن هنا بدأنا حواراً ثقافياً شيقاً امتد ليشمل المقاربات والمتشابهات بين التراثين الكويتي والسعودي الجنوبي. وتبادلنا أطراف الحديث حول الفعاليات الثقافية المتميزة في الكويت والتي يقيمها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وفي المقابل الجهود الضخمة التي تبذلها هيئة التراث في المملكة، فكان حواراً تبادلنا فيه بعض الإصدارات القيمة التي أحضرتها معي من الكويت، ومنها مجلة العربي العريقة، وبعض مطبوعات المجلس الوطني، وإصدارات دار الآثار الإسلامية، والتي تعكس عمق البلدين الثقافي وتاريخهما الممتد منذ عقود في الثقافة، وفي المقابل أهدوني درعاً تذكارية بديعة مستوحاة من هوية وتراث منطقة عسير العريقة من شرفة المنطقة القديمة المطلة على البيوت القديمة والجبال الشاهقة والمدرج القديم.
الزي التراثي العسيري: أصالة وتاريخ
وأثناء التجول في أرجاء القرية، لفت نظري الحضور الأنيق للمرشد السياحي إبراهيم فتحي، الذي استقبلنا وهو يرتدي الزي التراثي العسيري التقليدي بكامل تفاصيله الفاخرة، والذي يتكون من الوزار أو الإزار الملتف حول الجزء السفلي، يعلوه القميص والشال الملون، وإكليل الرأس وهو العصابة التي تُعرف باللواية أو المخضارة، وهي إكليل من الزهور والأعشاب العطرية الطبيعية تحوي نبات البرك والريحان والشيح.
ودار الحوار مع المرشد السياحي عن سر هذا الزي ومكوناته، لا سيما الخنجر التقليدي العريق الذي يطوق خاصرته والمعروف محلياً باسم الجنبية العسيرية والتي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقيم الشجاعة والتقاليد العسيرية، وكانت رائحة إكليل الزهور فواحة وزكية تملأ المكان بعبق الطبيعة الجبلية الساحرة.
المعرض التاريخي: طريق التجارة القديم و«درب الفيل»
وفي القرية التراثية مبنى متحف الزوار، والذي يضم صالات متنوعة تروي فصولاً من تاريخ المنطقة، حيث بدأت جولتي بالوقوف أمام لوحة على الجدار تحمل معلومات وثائقية قيمة حول الأهمية الاستراتيجية لمنطقة عسير التي كانت تمثل حلقة وصل رئيسية ضمن طريق التجارة القديم الذي يربط جنوب الجزيرة العربية بشمالها وصولاً إلى بلاد الشام والرافدين ومصر محتضنةً عدداً من المحطات التجارية والمدن العامرة. كما اطلعتُ على معلومة تاريخية مثيرة تفيد بأن أرض عسير كانت معبراً لحملة أبرهة التي باءت بالفشل الذريع عندما قاد جيشه نحو مكة المكرمة لهدم الكعبة المشرفة عابراً طريق الحج الجنوبي القديم، الذي يطلق عليه سكان المنطقة حتى يومنا هذا اسم درب الفيل.
رُبّ همةٍ أحيت أُمّة: أروقة المتاحف المحلية والحرف التقليدية
تعرفتُ على صالات المعرض المتنوعة مع المرشد السياحي، التي تسلسلت أروقتها لتروي تاريخ المنطقة وتراثها، ومواردها المادية، وطريقة بناء بيوتها وتصاميمها، ليظهر كيف يتناغم تراث هذه الجوهرة القابعة في قلب السعودية مع الحداثة. بينما ضمت الصالة الأخرى شاشة بانورامية تستعرض تاريخ البناء وتفاصيل الزينة والمباني، ثم تناولت الصالة الثالثة التراث غير المادي للمدينة، متطرقةً إلى الصناعات المعدنية، ومنها صناعة الأسلحة، والأواني، والحلي، وأدوات التجارة والفلاحة، وكذلك مهنة التطريز التي اشتهرت بها نساء المنطقة في تزيين الأثاث وتجميله، مما أضفى هوية خاصة على تراث المدينة. وعرفتُ أيضاً أنهن كن يصنعن «الطفشة العسيرية»، وهي قبعة دائرية كبيرة تُصنع من الخوص لحمايتهم من أشعة الشمس، بالإضافة إلى صناعة «القعايد» التي تُستخدم ككراسي للجلوس.
فن القط العسيري: سيمفونية الألوان الطبيعية
أكثر ما خطف بصري داخل الحصون التراثية هو زينة الحوائط الداخلية التي تشبه ورق الجدران الحديث لكن بنقوش هندسية ورمزية دقيقة، وهذا الفن هو القط العسيري المدرج ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لدى منظمة اليونسكو، وكانت المرأة التي تزين فيه تُلقب «بالمزينة».
وتميز هذا الفن باشتراكه مع السدو الكويتي في الفكرة والخطوط العامة إلا أنه ينفرد بنقوشه وتلوينه الجداري البديع. والعجيب في هذا الفن أن الألوان كانت تُستخلص بذكاء من البيئة الطبيعية المحيطة، حيث يُستخرج اللون الأخضر من عصارة أوراق البرسيم والنباتات الخضراء بعد دعكها، ويُصنع اللون الأحمر من سحق الأحجار الرملية الغنية بأكسيد الحديد، أما اللون الأسود فيُؤخذ من فحم الحطب أو قطران شجر الغرب أو العتَم بعد تقطيره، في حين كان اللون البرتقالي يُستورد قديماً من اليمن على شكل بودرة طبيعية، كما يُستخلص اللون الأزرق من نبتة الوسمة ويُخلط بالصمغ النباتي لتثبيته، وأخيراً يُصنع اللون الأصفر من بهار الكركم المعروف بالهرد ومن قشور الرمان المجففة.
ضيافة الحنيذ الجنوبي: نكهة الأرض والأصالة
بعد جولة مثرية وممتعة، دُعينا بحفاوة إلى وجبة غداء تراثية عسيرية بامتياز وهي الحنيذ الجنوبي، وتعتمد طريقة طبخه الأصيلة على إشعال حطب المرخ أو الشَّبَه داخل حفرة محفورة في الأرض تسمى المحنذ حتى تتحول إلى جمر، ثم يُرص اللحم فوق أغصان هذه النباتات العطرية ويُغطى بإحكام بقطع القماش والطين لعدة ساعات لينضج على حرارة الضغط البطيء، ويُقدم الحنيذ مع الأرز، ورغم أن نكهته تختلف تماماً عن المجبوس الكويتي إلا أن لكل مطبخ عريق لذته الخاصة وأسراره التي تميزه، وقد استمتعت وأنا أتذوقه بيدي بشكل تقليدي.
كوخ العسل وحضن الطبيعة الشافي
وانتقلنا لاحقاً إلى موقع رائع يبعد حوالي أربعة كيلومترات عن القرية التاريخية وهو كوخ العسل، الذي يقع في مرتفع جبلي يطل على مناظر طبيعية خلابة ويعد محمية تجمع أكثر من 53 نوعاً مختلفاً من العسل الفاخر والنادر. وقد دخلتُ إلى غرفة التذوق المخصصة وحظيت بفرصة تذوق أنواع نادرة جداً من أبرزها عسل السدر الجبلي النقي، وعسل الطلح، وعسل الليتشي، وعسل الزهور البيضاء، بالإضافة إلى العسل السقطري النادر والعسل الأسود، وكانت الجلسة على شرفة الكوخ المطلة على الجبال الخضراء وقد عرفت معلومة عن العسل أنه كان يداوي جروح عمليات «الرأس» المعقدة ويساعد في تعقيم والتئام الجروح.
طريق الجبل وحياة الفطرة الشاهقة
واستغرقت الرحلة بالسيارة من مدينة أبها نزولاً عبر المرتفعات وصولاً إلى قرية رجال ألمع حوالي ساعتين عبر طريق عقبة الصمّاء الجبلي الملتوي، ويتطلب هذا الطريق تأنيّاً كبيراً وحذراً في القيادة نظراً لارتفاعه الشاهق ومنحدراته الحادة، لكنه يوفر في الوقت ذاته إطلالات بانورامية ساحرة للاستراحة تنتشر على جوانبها مجموعات من قرود البابون البرية، ورغم وجود لوحات إرشادية صارمة تمنع إطعامها للحفاظ على توازنها البيئي إلا أنه يمكن التقاط صور تذكارية رائعة لها عن بُعد.
تاريخ عسير: حضارة ممتدة منذ العصر الحجري
إن العمق التاريخي لمنطقة عسير يستحق الزيارة، تشير المكتشفات الأثرية إلى أن المنطقة استوطنها الإنسان منذ العصور الحجرية القديمة حيث عُثر فيها على أدوات حجرية ومنحوتات لتماثيل خيل يعود تاريخها إلى ما يقارب 9000 عام، وخلال حقبة الممالك العربية القديمة تأثرت المنطقة بالحواضر والمدن في جنوب الجزيرة وتزخر صخور جبالها بنقوش وكتابات قديمة خطّت بالخط المسند الجنوبي، وهو الخط الذي نشأ وازدهر في الممالك العربية القديمة مثل سبأ ومعين وقتبان وحِمير، مما يؤكد أن عسير كانت دائماً ملتقى للحضارات الإنسانية العريقة عبر التاريخ.
الطقس في عسير: عناق الضباب والمطر وبشارة الخير
وكان ختام الزيارة مسكاً مع طقس عسير العليل وهواها المنعش لا سيما في القمم والمواقع المرتفعة، فرغم أن أشعة الشمس كانت دافئة في منتصف النهار فإن الأجواء سرعان ما تبدلت فجأة ليتداخل الضباب الكثيف مع الغيوم وتهطل أمطار الخير والبركة. وقد أوضح لي أهل القرية بابتسامة تملؤها الحفاوة أن هطول المطر مع قدوم الضيف يُعد في الموروث والتقاليد الشعبية لأهل عسير دليلاً على السعد وبشارة خير وبركة ومحبة تسوقها الأقدار، وغادرتُ رجال ألمع وأنا أحمل في قلبي تقديراً عميقاً لهذا المكان الذي يدمج التاريخ والفن والطبيعة والإنسان في لوحة حية واحدة.
جوائز عالمية
أُدرجت قرية «رجال ألمع» بعسير ضمن أفضل القرى السياحية عالمياً من قبل منظمة السياحة العالمية UN Tourism، وقد اختيرت لتكون ضمن القائمة النهائية التي ضمت 41 قرية فقط حول العالم، تم انتقاؤها من بين أكثر من 175 جهة ترشحت من 75 دولة.