أولاً: الجوع المعرفي وغزارة الأفكار

لعله من المفيد أن جوهر التحول الفكري في عصرنا الحالي، هو انتقال العالم من ندرة المعلومات إلى الانفجار المعرفي، وهو ما أحدث ثورة حقيقية في مشهد الابتكار، وعليه فإن التحول من الجوع المعرفي، (نقص الثقافة والمعرفة)، إلى وفرة الأفكار يعكس تحولاً جذرياً في مشهد الابتكار، حيث تشير الدراسات والأبحاث الاكاديمية إلى أن السنوات الأخيرة شهدت تبدلاً جذرياً في مفهوم الابتكار.

ففي الماضي القريب، كانت القدرة على توليد أفكار جديدة وحلول إبداعية تُشكل ميزة تنافسية نادرة، أما اليوم فقد غيّر الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) هذه المعادلة بشكل كامل، فتشير تقديرات «مؤشر الذكاء الاصطناعي 2026»، الصادر عن جامعة ستانفورد (Stanford HAI)، إلى أن تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي تُستخدم الآن في 70% من المنظمات حول العالم في وظيفة تجارية واحدة على الأقل.

Ad

وقد ارتفع الاعتماد اليومي على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي من قبل المديرين التنفيذيين من 10% فقط في عام 2023 إلى ما يقرب من 50% في عام 2025، كما أن هذا الانتشار السريع حوّل عملية «توليد الأفكار» من حرفة نادرة إلى خدمة عامة متاحة للجميع. 

ولقد أشارت إحدى الدراسات الأكاديمية إلى أن «الذكاء الاصطناعي التوليدي حوّل توليد الأفكار إلى أداة مساعدة واسعة الانتشار، حيث يمكن لأي شخص اليوم استخدام أداة تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتولّد 100 مفهوم منتج على الفور»، ولكن، على الرغم من هذا الانفجار في عدد الأفكار، تواجه الغالبية العظمى من الشركات صعوبة في ترجمة هذه الوفرة إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ووفقاً لتقرير McKinsey & Company، فإن أكثر من 80% من الشركات تؤكد أن مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي لم تؤثر بشكل جوهري على إيراداتها حتى الآن.

ثانياً: إعادة صياغة المشكلة كخارطة طريق استراتيجية

إن الفجوة بين الاستثمار الضخم والعوائد المحدودة تقودنا إلى جوهر الإجابة على سؤال البحث؟ فإذا كان الجميع قادراً على توليد الأفكار، فإن الميزة التنافسية الحقيقية تكمن في القدرة على اختيار الفكرة الصحيحة، وتحديد المشكلة الأكثر أهمية لحلها.

هنا يبرز الدور المحوري للعنصر البشري، أو ما يمكن تسميته بـ«الرؤية البشرية»، فحسب رؤية «Harvard Business Review»، فإن «الذكاء الاصطناعي التوليدي ليس مجرد أداة، بل هو محفز لإعادة توصيل أنماط تفكيرنا، والتحرر من قيود المنطق الخطي، وإطلاق العنان لرؤى إبداعية لم نكن نعلم أننا قادرون عليها»، لذا فالدور الأمثل للإنسان لم يعد كونه «منتج أفكار»، بل كونه «صانع قرار استراتيجي» يمتلك القدرة على الآتي:

1. صياغة المشكلة بدقة عن طريق طرح الأسئلة الصحيحة على أدوات GenAI، وتحديد سياقها وأبعادها.

2. توجيه الأداة وضبطها عن طريق إعادة صياغة المشكلة أثناء عملية الحل، والتدخل لتوجيه مسار التفكير.

3. اتخاذ القرار النهائي من خلال تقييم الحلول المولدة آلياً بناءً على اعتبارات أخلاقية، واستراتيجية، وسياقية تتجاوز قدرات النموذج.

ثالثاً: من النظرية إلى التطبيق 

لتوضيح هذه الآلية، نستعرض حالة تطبيقية وهي شركة ناشئة تعتمد على الابتكار التوليدي كجوهر لمنتجها، وتستخدمه كرافعة لتعزيز الابتكار في عملياته: 

o شركة Cursor تعمل على تسريع الابتكار في المشاريع الناشئة من خلال الرؤية الهندسية وتُعد مثالاً حياً على كيفية تسخير أداة تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) لتحويل فكرة ناشئة إلى قيمة سوقية هائلة، فالشركة تمكنت من تطوير مساعد برمج يعتمد على الذكاء الاصطناعي، واستطاعت في غضون عامين فقط أن تصل إلى تقييم سوقي قدره 29.3 مليار دولار بعد جولة تمويلية بلغت 2.3 مليار دولار. 

وبينت الدراسة أن سر نجاحها لم يكن فقط في قدرتها على توليد كود برمجي، بل في تقديمها «منصة تطوير ذكية» تفهم السياق العام للمشروع، فشركات مثل «Dropbox» تستخدم Cursor حالياً، حيث يتم اعتماد أكثر من مليون سطر من الكود المُولّد آلياً شهرياً، مما أدى إلى تسريع عمليات التطوير بشكل كبير، ومع ذلك، تؤكد الشركة أن «الرؤية البشرية هي البداية والنهاية»، حيث إن «التميز في الابتكار يبدأ بالملاحظة البشرية، وقضاء وقت في منازل الناس لمعرفة كيف يستخدمون المنتجات».

رابعاً: أداة تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي على المشروعات الصغيرة والمتوسطة في الكويت

إذا انتقلنا إلى الوضع محلياً نجد أن هذه النتائج تحمل دلالات مهمة جداً لقطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر، والذي يشكل العمود الفقري للتحول الاقتصادي المنشود كما يلي:

● وفقاً لبيانات البنك الدولي (World Bank)، لا تزال مساهمة المشاريع الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي الإجمالي للكويت محدودة جداً (3%)، على الرغم من أنها توظف 23% من القوى العاملة الوطنية والأجنبية، ويعتبر هذا التحدي الاقتصادي مهماً جداً.

● إن الفرصة الاستراتيجية التي يجب الاستفادة منها هي دعم وتعزيز دور GenAI ليس فقط كأداة لتوليد الأفكار، بل كمدخل لتعزيز الكفاءة وسد الفجوات. وتشير دراسة أجرتها منظمة العمل الدولية (ILO) إلى أن تبني الذكاء الاصطناعي في الكويت يتقدم بشكل غير متساو، وتدعو إلى دعم أقوى للمشاريع الصغيرة والمتوسطة لمساعدتها على تجاوز تحديات الموارد المحدودة والتكاليف التسويقية المرتفعة.

● إن هذه التوصيات تأتي متوافقة تماماً مع رؤية «كويت جديدة 2035»، والتي تسعى إلى تنويع مصادر الدخل وبناء اقتصاد قائم على المعرفة، مع التركيز على تمكين القطاع الخاص والمشاريع الصغيرة والمتوسطة من خلال بناء القدرات وتعزيز ثقافة الابتكار، وليس فقط التمويل مما يعزز دور الرؤية الوطنية للدولة.

● إن سر التميز يمر عبر الرؤية المحلية، ويكمن في المشاريع الكويتية الصغيرة والمتوسطة ومشاريع المبادرين، من خلال قدرتها على الجمع بين قوة أدوات تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي (GenAI) والقدرة على تحليل البيانات واستخراج الأنماط من جهة، وبين الفهم العميق للسياق المحلي، والعادات الشرائية، والثقافة الكويتية من جهة أخرى.

وبشكل عام تُجيب هذه المقالة على السؤال المركزي بأن سر التميز في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي لم يعد يكمن في توليد الأفكار، بل في تطوير «آلية منهجية» لإعادة صياغة المشكلات وتوظيف هذه الأدوات كمسرّعات للقدرات البشرية، وليس كبديل عنها. بناءً على ذلك، نقترح على صانعي القرار وأصحاب المشاريع في الكويت ما يلي:

1) التحول من ثقافة «توليد الأفكار» إلى ثقافة «صياغة المشكلات» والاستثمار في تدريب رواد الأعمال على مهارات التحليل النقدي، وصياغة الأسئلة، وتفسير مخرجات الذكاء الاصطناعي.

2) بناء قواعد بيانات محلية مبتكرة وتعمل على إنشاء قواعد بيانات كويتية دقيقة ومتنوعة لتغذية نماذج الذكاء الاصطناعي، مما يضمن أن تكون المخرجات ذات صلة وثيقة بالسوق المحلي.

3) تبني نهج تجريبي مرحلي من خلال البدء بمشاريع GenAI صغيرة الحجم ومحددة الهدف (مثل تحسين خدمة العملاء أو تحليل اتجاهات السوق)، وقياس عوائدها بدقة قبل التوسع، مع الأخذ في الاعتبار أن 78% من المنظمات العالمية تستخدم حالياً أدوات GenAI مبنية داخلياً لتناسب احتياجاتها الخاصة.

ختاماً، يظل الذكاء الاصطناعي التوليدي أداة قوية، لكن السؤال الأهم ليس «كيف نستخدمه؟»، بل «كيف نستخدمه لحل المشكلة الصحيحة؟»، والإجابة عن هذا السؤال تظل حكراً على الرؤية البشرية وحدها.