بين مكانة الكويت الكبيرة في المجتمع الدولي والمناصب الدولية القيادية، توجد فجوة تستحق الاهتمام والمعالجة، فالمناصب القيادية في المنظمات الدولية والإقليمية تعتبر من أدوات النفوذ المؤثر للدول، فهي ليست مجرد وظائف بروتوكولية، بل مراكز قرار تُصاغ فيها السياسات، وتُحدد من خلالها اتجاهات الاقتصاد العالمي والسياسة الدولية، وتُرسم عندها أولويات العمل الدولي.
ومن هنا، فإن التنافس عليها لم يعد ترفاً دبلوماسياً، بل جزءاً أصيلاً من سباق الحضور والتأثير، فالحضور الدولي لا يُقاس فقط بما تملكه الدول، بل كذلك بالمواقع التي تشغلها في مراكز القرار. دول كثيرة تدرك ذلك، وتخوض سباقاً مبكراً ومدروساً لدعم مرشحيها، وتبني التحالفات، وتستثمر أدواتها السياسية والاقتصادية لضمان وصولهم إلى هذه المواقع.
وقد نجحت دول صغيرة نسبياً، مثل سنغافورة والنرويج، في بناء حضور مؤثر داخل المؤسسات الدولية عبر استراتيجيات طويلة الأمد لدعم كوادرها وتوسيع شبكاتها الدبلوماسية، فالحصول على مناصب قيادية في البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي أو منظمة الصحة العالمية أو اليونسكو لا يمنح الدولة مجرد حضور رمزي، بل يضعها في قلب عملية صنع القرار العالمي، ويمنحها قدرة حقيقية على التأثير في مساراته. فالنفوذ لا يُمارس فقط من الخارج، بل يُبنى من داخل المؤسسات الدولية كذلك.
ونحن هنا في الكويت، نمتلك من المقومات ما يؤهلنا لنكون لاعباً بارزاً في هذا المجال، فالكويت دولة تحظى بسمعة دولية إيجابية، وسجل إنساني وتنموي مشهود له، وعلاقات متوازنة مع مختلف الدول، وتلك جميعاً عناصر تجعل مرشحيها مقبولين دولياً وقادرين على المنافسة بقوة إذا ما تم دعمهم بالشكل الصحيح، وهذه المكانة لا تُترجم تلقائياً إلى نفوذ ما لم تُستثمر باستراتيجية وآليات واضحة.
إن الواقع يكشف فجوة واضحة بين هذه المكانة وبين الحضور الكويتي في المناصب القيادية الدولية، فالمحاولات، إن وُجدت، غالباً ما تكون فردية أو متأخرة أو غير مدعومة بما يكفي من الزخم السياسي والدبلوماسي. وفي عالم تُحسم به هذه المنافسات عبر التحالفات والتخطيط طويل الأمد، لا يكفي الترشيح وحده، بل يحتاج إلى حملة متكاملة تُبنى لسنوات، فالمناصب الدولية لا تُمنح، بل تُنتزع عبر عمل طويل وصبور.
ولا شك في أن غياب استراتيجية وطنية واضحة للترشيحات الدولية يضعف من فرص النجاح، إذ لا يتم تحديد أولويات، ولا إعداد كوادر بشكل منهجي، ولا بناء مسارات مهنية تؤهل القيادات للوصول إلى هذه المواقع، فالدول التي تنجح في هذا المجال تبدأ مبكراً، وتستثمر في كوادرها، وتدفع بها تدريجياً إلى مواقع متقدمة داخل المنظومة الدولية.
إن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب أيضاً توظيف القوة الناعمة للكويت، وعلى رأسها سجلها التنموي والإنساني، في بناء دعم دولي لمرشحيها، فالدور الذي يقوم به الصندوق الكويتي للتنمية، إلى جانب المبادرات الإنسانية الكويتية، يمثل رصيداً سياسياً ودبلوماسياً مهماً يمكن استثماره بصورة أكثر فاعلية، فالنفوذ الحقيقي ليس فيما تقدمه الدول فقط، بل في كيفية توظيفه لتحقيق حضور دائم ومؤثر.
وفي تقديري، إن الحضور في المنظمات الإقليمية والدولية لم يعد أمراً ثانوياً، بل ضرورة تفرضها طبيعة النظام الدولي المعاصر. فالمناصب الدولية هي مواقع القرار، والدول التي لا تسعى إليها قد تجد نفسها خارج دوائر التأثير مهما كان رصيدها السياسي أو الإنساني، وهنا يبرز تساؤل مهم، هل نكتفي بمكانتنا الدولية، أم نسعى لترجمتها إلى حضور حقيقي في مواقع القرار حيث يكون التأثير؟