من المهم جداً أخذ الدروس من التاريخ الاقتصادي، بغضّ النظر عن مصدره، في مجال صياغة إدارة الاقتصاد الكلي لمختلف البلدان. وإن إهمال ذلك ترتب، وسيترتب عليه، البدء من الصفر دائماً، وهو خيار له الكثير من المساوئ. وضمن هذه الدروس، التي لا حصر لها، ما حذّر منه رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي، إيكلز M. Eccles، قبل أكثر من 90 سنة، أثناء شهادته أمام مجلس الشيوخ الأميركي عام 1933 (فترة الكساد آنذاك، والتي «قد» يكون العالم مقبلا عليها لو تطورت الأوضاع الحالية للأسوأ)، حيث أشار إلى أن أحد أسباب الركود تضخم حالة سوء التوزيع لمصلحة مدخرات الفئات الأعلى دخلا (ويتجسد مصدرها في عوائد الفوائد والأرباح والإيجارات أساساً، ويطلق عليها اقتصاديا حقوق التملك)، وتحييد دورها لتكون مصدراً رئيسياً للطلب يساهم في المزيد من الاستثمارات والأجور (حقوق العمل)، ومن ثم الطلب، وإنعاش النمو (United States Senate، Investigation of Economic Problems، Hearings Before the Committee on Finance، Second Session Pursuant to S. Res. 315، February 1933)، علما بأن حوالي نسبة 1% من السكان الأميركيين كانت تستحوذ، آنذاك، على 42% تقريبا من الثروة (وليس للدخل). إلا أن هذا التركز قد تم الحدّ منه، بشكل ملموس، إبان الحرب العالمية الثانية، إضافة إلى دور الضرائب التصاعدية في تقليص التفاوت واستعادة التوازن بين الإنفاق والإنتاج. وعليه، انخفضت النسبة المذكورة أعلاه إلى نحو%22. وتلاشت المشكلة الأساسية التي ركز عليها «إيكلز» من الذاكرة العامة مع دخول الاقتصاد الأميركي فترة طويلة من النمو المتواصل والأكثر إنصافاً، بفعل تحويل نسبة من المدخرات الى استثمارات بواسطة الضرائب، وتحفيز الأجور، واستعادة النمو.
ومنذ ثمانينيات القرن الماضي بدأ سوء توزيع الدخل يعود (من خلال ارتفاع مدخرات الفئات الدخلية الأعلى)، ولترتفع النسبة، أعلاه، مرة أخرى لتصل إلى حوالي%35 عام 2010 (وحاليا نحو%31.7 في الربع الر ابع من 2025، حسب إحصاءات مجلس الاحتياطي الفدرالي). ولم ينعكس ذلك مباشرة على انخفاض القوة الشرائية الإجمالية للاقتصاد، وذلك للجوء العوائل للقروض الخاصة. بعبارة أخرى، منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين حتى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، استوعبت الزيادة السريعة في القروض العائلية الفائض الادخاري للأغنياء وحافظت على إجمالي الطلب للاقتصاد الأميركي.
وبحلول الأزمة المالية، بدءاً من 2008، تمّ وضع نهاية لتجربة الإنفاق العائلي الطويلة الممولة بالقروض الخاصة. وعادت الحالة التي حذّر منها «إيكلز» سابقا: فوائض ادخار في القمة، وعجز بطلب الفئات الأقل دخلا. وفي ظل عجز السياسة النقدية عن خلق طلب فعّال (من خلال ضغط أسعار الفائدة بشكل كبير جدا) تمّ اللجوء للسياسة المالية القائمة على الاقتراض العام، ومن خلال رفع العجز لزيادة الدخول والتشغيل، ومن ثم الأجور، والطلب، والنمو). إن اللجوء للسياسة المالية، في هذه الظروف، من خلال خلق العجز، لا بُد أن يكون ضمن ما يسمّى بالسياسة المالية المعتدلة Goldilocks Fiscal Policy (لمنع حالة الركود) بمعنى الموازنة بين الضرائب والإنفاق وبالشكل الذي يُحفّز النمو، ويخلق التشغيل، ولا يؤدي إلى ارتفاع ملحوظ بمعدل التضخم (وهو الأمر الذي يحتاج لكفاءة ومعرفة مهنية لإدارة الاقتصاد الكلي). معنى ذلك أن تركّز الثروات (النسب المشار اليها أعلاه) يؤدي إلى المزيد من الإنفاق العام الممول بالقروض العامة.
ومن المهم الإشارة، هنا، إلى أن النتائج المرتبطة بتركز المدخرات وتأثيراتها على ضغط الإنفاق الاستهلاكي، والاستثمارات، والأجور، ومن ثم النمو، والواردة أعلاه، لم تقتصر على تجربة الاقتصاد الأميركي، بل انتشرت على المستوى العالمي، لتشمل، على سبيل المثال لا الحصر، المملكة المتحدة، والصين، خاصة بعد الأزمة المالية لعام 2008.
والسؤال الجوهري، اعتمادا على ما ورد أعلاه، لماذا لم يساهم الارتفاع في تركز المدخرات الى ارتفاع الاستثمار/ الناتج الإجمالي المحلي الأميركي (بين 20 -%22 حاليا)، رغم ارتفاع الدين العام/ الناتج المحلي الإجمالي (حوالي 124% حاليا)؟ لقد ساهمت مجلة التمويل والتنمية (F & D)، الشهيرة في عددها الأخير بالإجابة عن هذا السؤال، وهي إجابة مُقنعة، نُلخصها من خلال الآلية التالية: تتوجه المدخرات المرتفعة لتمويل قروض استهلاكية غير مُنتجة ◄ لا يحقق المقترضون دخلا لتسديد القروض الجديدة ◄ ارتفاع الدين/ الناتج المحلي الإجمالي ◄ ضغوط على أسعار الفائدة لاستدامة الدين ◄ خلق آلية تسمى الطلب المديون Indebted Demand، والتي وفقها يتم المحافظة على النمو من خلال الاقتراض، لأن القوة الشرائية للمستهلكين غير كافية.
وختاماً، فإن الحكمة والحصافة الاقتصادية تستدعي، دائما، جعل تطورات تنامي المدخرات وتركزها جزءاً لا يتجزأ من السياسات الاقتصادية الهادفة الى تحفيز الطلب الاستهلاكي، من خلال التوجيه الرشيد لهذه المدخرات نحو استثمارات مُنتجة تساهم في خلق طلب، ومن ثم خلق أجور مُنتجة (وليست ريعية)، ومن ثم نمو يحرص الجميع على أن يكون مستداماً.
إن عمل جميع سياسات النمو، والتوزيع، بشكل متجانس أمر مهم. وتوفر هذا الحرص هو لمصلحة الفئات الدخلية الأعلى دخلا ذات معدلات الادخار المرتفع قبل غيرها، لكونها المستفيدة من عوائد الاستثمارات وخلق المزيد من مصادر الطلب. وهو الأمر الذي يترجم مقولة «ايكلز» الاقتصادية، واقعياً، والتي أشار اليها أثناء شهادته، المشار اليها أعلاه: «هذا ليس نهب الأغنياء، بل هو انقاذ لهم This is not soaking the rich، it is saving the rich”.