استعاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رمزية اجتياح لبنان عام 1982، باحتفائه بسيطرة قواته على قلعة الشقيف الاستراتيجية في جنوب لبنان، في مشهد استحضر رفع العلم الإسرائيلي فوق القلعة قبل أكثر من أربعة عقود بحضور رئيس الوزراء آنذاك مناحيم بيغن ووزير الدفاع أرييل شارون، عقب معارك ضارية خاضها الجيش الإسرائيلي ضد مقاتلين فلسطينيين تحصنوا بالموقع.
ولم يكتفِ نتنياهو باستحضار الذاكرة العسكرية للاجتياح الأول، بل قدّم السيطرة على الشقيف باعتبارها مؤشراً إلى مرحلة جديدة من العمليات الإسرائيلية في لبنان، معلناً توسيع نطاق الحملة العسكرية، قبل أن يؤكد أن الجيش الإسرائيلي يتحرك على أكثر من جبهة في آن واحد، من سورية إلى غزة ولبنان.
وقال نتنياهو في بيان مصوّر: «اليوم عدنا إلى قلعة الشقيف بطريقة مختلفة، عدنا موحّدين ومصممين وأقوى من أي وقت مضى»، معتبراً أن السيطرة على القلعة تمثل «تحولاً حاسماً» في مسار العمليات الجارية.
وتبرز دلالة الشقيف في كونها إحدى أبرز قلاع الاحتلال الإسرائيلي للجنوب اللبناني خلال الفترة الممتدة بين 1982 و2000، حين كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على أراضٍ تمتد حتى نهر الليطاني. أما اليوم، فإن التقدم العسكري الإسرائيلي يتجاوز تلك الحدود التاريخية، مع وصول القوات إلى مناطق تقع بين الليطاني والزهراني، الأمر الذي يثير مخاوف متزايدة من اقتراب العمليات العسكرية من مدينة صور التي تكثفت الضربات عليها، ومن احتمال تكريس واقع ميداني جديد في جنوب لبنان.
وبينما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه يوسّع منذ أيام نطاق عملياته البرية في مناطق إضافية جنوب لبنان، أفادت وزارة الصحة اللبنانية بأن غارة إسرائيلية استهدفت محيط أحد المستشفيات في مدينة صور، مما أدى إلى إصابة 13 من أفراد طاقمه وإلحاق أضرار كبيرة بالمرفق الصحي.
بدوره، ربط وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بين التطورات الحالية وإرث حرب لبنان الأولى، قائلاً إن الجنود الإسرائيليين عادوا بعد 44 عاماً إلى قمة قلعة الشقيف ورفعوا العلم الإسرائيلي فوقها مجدداً، قبل أن يؤكد أن القوات الإسرائيلية ستبقى متمركزة في الموقع ضمن ما وصفه بـ «المنطقة الأمنية» داخل الأراضي اللبنانية.
يأتي هذا التصعيد في أعقاب أعنف هجمات يشنها «حزب الله» على شمال إسرائيل منذ أشهر، وبعد فشل جولة مفاوضات أمنية وعسكرية عُقدت بين الجانبين في البنتاغون في تحقيق أي اختراق يذكر، وذلك في وقت تستعد الدولة اللبنانية لخوض جولة جديدة من المفاوضات السياسية مع إسرائيل في واشنطن.
وكانت إيران تمسكت بضرورة وقف العملية العسكرية الإسرائيلية في لبنان كجزء من أي تفاهم محتمل مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإنهاء تداعيات المواجهة التي اندلعت عقب الهجوم الأميركي ـ الإسرائيلي على أراضيها في فبراير الماضي.
وبحسب تسريبات صحافية أميركية نشرت أمس، أدخل ترامب بنفسه تعديلات على أحدث مسودة رُفعت إليه، متبنياً صيغة أكثر تشدداً تشترط نقل مخزون اليورانيوم العالي التخصيب إلى الولايات المتحدة، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية من دون أي رسوم أو قيود.
وكانت «الجريدة» كشفت قبل أيام أن الجانب الأميركي أبلغ الوسطاء مجموعة من «الخطوط الحمراء» التي ينبغي أن يتضمنها أي اتفاق مع طهران، ومن بينها نص يؤكد أن «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها يبقى قائماً وغير مقيد، بما في ذلك في إطار أي قرارات أو ترتيبات قد تصدر عن مجلس الأمن بشأن وقف العمليات القتالية».
وفي موازاة الاتصالات اللبنانية المكثفة، ولا سيما مع واشنطن، لاحتواء التصعيد ومنع اتساع رقعته، دفعت فرنسا باتجاه عقد جلسة لمجلس الأمن الدولي لبحث التطورات في لبنان. كما يستعد الموفد الفرنسي جان إيف لودريان لزيارة بيروت، حيث سيجري محادثات مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس الحكومة نواف سلام، في محاولة لاستكشاف خطوات لبنانية يمكن أن تساهم في خفض التوتر ومنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة أوسع.